وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّاما مَّعدُودَة/ قُل أَتَّخَذتُّمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهدا فَلَن يُخلِفَ ٱللَّهُ عَهدَهُۥ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ (80) بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَة وَأَحَٰاطَت بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَاٰبُ ٱلنَّارِ هُم فِيهَا خَٰلِدُون81سورة البقرة/ فالكسب هو : ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب كسب، وتحصيل حظ، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، فيتضح أنهنه استجلب به مضرة. والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره،ولهذا قد يتعدى إلى مفعولين، فيقال: كسبت فلانا كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك،[خيرا أو شرا] فكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابا والإحاطة هي البقاء في محيط السيئة ولا يكون ذلك الا: 1.بالاصرار عليها 2.او بالموت عليها عياذا بالله الواحد ...........................................................................................................

 نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين ومتعاقبتين تاريخيا  1. سورة البقرة في العام 1 أو 2 هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق {في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2. ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد تطليق امرأته عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق جبرا وفرضا لا يقع الطلاق الا  كذلك وإعجاز الباري ان استخدم حرفا واحدا هو حرف لام انتهاء الغاية في كلمة لـــــ عدتهن في اول ايات سورة الطلاق وجري علي ذلك تشريع الطلاق واستقر بقاؤه منذ نزوله في سورة الطلاق والي يوم القيامة وعلي ما بينه النبي {ص} في اصح رواية{مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا} علي الاطلاق واعلاها اسنادا وأثبتها وادقها حفظا

...............................................................................................................

 

وقعة بئر مَعُونَة شهر صفر سنة 4هـ /وتجرأت بنو غَطَفَان حتى همت بالغزو على المدينة في جمادي الأولي سنة 4 هـ‏/سرية أبي سلمة‏ 1/محرم سنة 4هـ/بعث عبد الله بن أُنَيس‏‏ 5/محرم/سنة 4هـ حتي السبت 25 محرم سنة4هـ/بعث الرَّجِيع‏ شهر صفر 4 للهجرة /واقعة بئر مَعُونة‏ شهر صفر 4 للهجرة غزوة بني النضير ربيع الأول سنة 4 من الهجرة،/غزوة نجد ‏ في شهر ربيع الثاني أو جمادي الأولي سنة 4 هـ(ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة 4 هـ /غزوة ذات الرِّقَاع‏ ربيع2 سنة4هـ/غزوة الخندق فى أواخر السنة الخامسة ****

الاثنين، 7 مايو 2018

8.الاغصان



ولما أسنَّت السيدة سودة وهبت نوبتها للسيدة عائشة - رضي الله عنها -.
عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: كانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في الْقَسْمِ مِنْ مُكْثهِ عِنْدَنا، وَكانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنا جَمِيعًا، فَيَدنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إلى الَّتِي هُوَ يَوْمُها فَيَبِيتَ عِنْدَها، وَلَقَد قالَتْ سَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفارِقَها رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رَسُولَ الله يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- مِنْها. قالَتْ نَقُولُ في ذَلِكَ أَنْزَلَ الله -عز وجلّ- وَفِي أَشْباهِها، أُراهُ قالَ: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: 128] (1).
14 - وفي هذه السنه: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي الطائف يدعوهم إلي الإسلام، فأبوا، وآذوه، فرجع مهمومًا، فثبته الله بأمرين: أرسل إليه ملك الجبال، وأسلم على يديه مجموعه من الجنِّ، ثم دخله مكه في جوار المطعم بن عدي.
الشرح:
لمّا مات أبو طالب وخديجة - رضي الله عنها -، واشتدَّ إيذاء قريش له - صلى الله عليه وسلم -؛ قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- الخروج إلى مكان آخر غير مكة يلقي فيه دعوته، لعلَّه يجد من ينصره ويؤويه حتى يبلِّغ كلمة التوحيد.
= أبي عاصم في "الآحاد والمثانى" (3060، 3061)، والطبراني 23/ 57، البيهقي في "الدلائل" 2/ 411، 412 مرسلًا عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ووصلة البيهقي 2/ 411 فرواه عن يحيى بن عبد الرحمن عن عائشة، قال الذهبي في "السير" 1/ 182 إسناده حسن.
(1) صحيح: البخاري (5212) كتاب: النكاح، باب: المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك، ومسلم (1463) كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها، مختصرًا، ورواه بتمامه أبو داود (2135) كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، وقال الألباني: حسن صحيح.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 103
* * *
فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف يلتمس النُصرة من ثقيف، فلم يجد ما كان يتمنّاه، بل ناله منهم ما لم ينله من أحد قط.
روى البخاريُّ بسنده عن عائشة - رضي الله عنه - أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت له: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ما لَقِيتُ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عبد يالِيلَ بن عبد كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى ما أَردتُ فانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَم أَسْتَفِقْ إِلّا وَأَنا بِقَرنِ الثَّعالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا أَنا بِسَحابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإذا فِيها جبريلُ فَنادانِي فَقالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَما رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَد بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبالِ لِتَأمُرَهُ بِما شِئْتَ فِيهِمْ فَنادانِي مَلَكُ الْجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ فَقالَ: ذَلِكَ فِيما شِئْت إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَينِ"، فَقالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أصلابِهِم مَنْ يَعبد الله وَحدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (1).
ثم لمّا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في طريق الرجوع إلى مكة، ونزل بوادي نخلة القريب
(1) متفق عليه أخرجه البخاري (3231) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، مسلم (1795) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى المشركين والمنافقين. فصلي الله عليك وسلم يا حبيبي يا رسول الله، فوالله الذي لا إله غيره لقد رُزقت رحمة لو وُزعت على أهل هذه البسيطة منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى قيام الساعة لوسعتهم، وأُعطيت رأفة لو قسِّمت على أهلها لقسمتهم، وكيف لا وقد قال الله تعالى فيك: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107].
فأين أعداء الله من مثل هذه الرحمة؟ وأين الحاقدون الزاعمون أنك جئت بالقتل وسفك الدماء؟ يفعلون الأفاعيل ثم يرموننا بها {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: 46].
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 104
* * *
من مكة يصلي ويقرأ القرآن، نزل عليه مجموعة من الجن فلما سمعوه أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة: أحدهم زوبعة، فأنزل الله- عزّ وجل-: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)} [الأحقاف: 29 - 32] (1).
ورويَ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة- بعد رجوعه- في جوار المطعم بن عديّ (2).
ولذلك قالَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في أُسارَى بَدرٍ: "لَوْ كانَ الْمُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حَيا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنَي لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" (3).
15 - وفي السنه الحادية عشرة من البعثه: عرض نفسه الكريمه على القبائل في موسم الحج كعادته، فآمن به ستة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلى المدينه ففشا فيهم الإسلام.
الشرح:
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغل مواسم الحج وإقبال الناس وتوافدهم إلى بيت الله
(1) صحيح: أخرجه الحاكم 2/ 456، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وصححه الوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (252).
(2) أخرجه الطبري في "التاريخ" 1/ 555 بإسناد منقطع.
(3) صحيح: أخرجه البخاريُّ (4024) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 105
* * *
الحرام للدعوة إلى دينه ورسالته لعلَّ أحدًا أن يستجيب له فيؤويه وينصره بعد ما كذبه قومه.
عَنْ جابِرٍ - رضي الله عنه - قالَ: مَكَثَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النّاسَ في مَنازِلِهِمْ بعُكاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَواسِمِ بِمِنًى يَقُولُ: "مَنْ يُؤْوِيني؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ " حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلامَ قُرَيْشٍ لا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصابعِ، حَتَّى بَعَثَنا الله إِلَيهِ مِنْ يَثْرِبَ فآوَيْناهُ وَصَدَّقْناهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْاَنَ، فَيَنْقَلِبُ إلى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصارِ إِلّا وَفِيها رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلامَ (1).
وعنه أيضًا قالَ: كانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النّاسِ بالْمَوْقِفِ فيقول: "هل من رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلى قَومه، فَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِي" (2).
وعن أبي الزِّنادِ قالَ: أَخْبَرَنِي رَجُل يُقالُ لَهُ رَبِيعَةُ بن عَبّادٍ مِنْ بني الدِّئلِ، وَكانَ جاهِلِيًّا فأسلم، قالَ: رَأَيْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الْجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي الْمَجازِ، وَهُوَ يَقُولُ: "يا أَيُّها النّاسُ، قُولُوا لا إِلَهَ إِلّا الله تُفْلِحُوا" والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيهِ، وَوَراءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ أَحوَلُ، ذُو غَدِيرَتَينِ (3) يَقُولُ: إِنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ، يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذهبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) حسن: أخرجه أحمد 3/ 322، قال ابن حجر في "فتح الباري" 7/ 222: إسناده حسن.
(2) صحيح: أخرجه أبو داود (3734)، كتاب: السنة، باب: في القرآن، الترمذي (2934) كتاب: فضائل القرآن، باب: رقم (24)، ابن ماجه (201) في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، أحمد 3/ 390، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".
(3) غديرتان: تثنية غديرة، أي ذؤابة، وهي الشعر المضفور الذي أُدخل بعضه في بعض.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 106
* * *
وَقالوا: هَذا عَمُّهُ أبو لَهَبٍ (1).
وكان من القبائل التي عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه عليها؛ قبيلة كنْده، وبطن من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله، وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرَّة، وسُليم، وعبس، وبنو نضر، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
وتصدى النبي -صلى الله عليه وسلم- لسويد بن الصامت الذي كان يسميه قومه (الكامل) لجلده، وشرفه، ونسبه، فدعاه إلى الإِسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؛ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اعرضها عليّ"، فعرضها عليه؛ فقال له: "إنَّ هذا لكلام حسن؛ والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله تعالى عليَّ هو هدى ونور" فتلا عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن ودعاه إلى الإِسلام، فلم يبْعُد منه، وقال: إنَّ هذا لقول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة علي قومه، فلم يلبث أنْ قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث (2).
وعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه على بني عبد الأشهل حيث قدموا يلتمسون الحلف من قريش علي قومهم من الخزرج، فعرض عليهم الإِسلام، وقال لهم: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ " فقالوا له: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليَّ الكتاب" قال: ثم ذكر لهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: فقال إياس بن معاذ وكان
(1) حسن بمجموع الطرق: أخرجه أحمد 4/ 341، وله شواهد أخرجها ابن هشام في "السيرة" 2/ 18 الطبراني في "الكبير" (4587)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثانى" (962)، البيهقي في "السنن" 9/ 7، و"الدلائل" 2/ 185.
(2) "سيرة ابن هشام" 2/ 21.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 107
* * *
غلامًا حدثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس، وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا (1).
فلما أراد الله -عزّ وجلّ- إظهار دينه، وإعزاز نبيه - صلى الله عليه وسلم-؛ خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على القبائل كعادته فالتقي برهط من الخزرج أراد الله بهم خيرًا.
فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله -عز وجلّ-، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإِسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزُّوهم (2) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتَّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسئ أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم،
(1) "سيرة ابن هشام" 2/ 21.
(2) عزوهم: غلبوهم وقهروهم.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 108
* * *
فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا، وهم ستة نفر جميعهم من الخزرج:
1 - أسعد بن زرارة بن عُدَي، أبو أُمامة.
2 - عوف بن الحارث بن رفاعه، وهو ابن عفراء.
3 - رافع بن مالك بن العجلان.
4 - قطبة بن عامر بن حَديدة.
5 - عقبة بن عامر بن نابي.
6 - جابر بن عبد الله بن رئاب (1).
تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها -: كان يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَواتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ الله لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - في دُخُولِهِمْ في الْإِسْلاَم (2).
قال ابن حجر:
(كانَ يَوْم بُعاث) بِهِ وَقْعَة بَيْن الْأَوْس والْخَزْرَج، فَقُتِلَ فِيها كَثِير مِنْهُمْ. وَكانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حُضَيْر والِد أُسَيْدِ بن حُضيْر وَكانَ يُقال لَهُ حُضَيْر الْكَتائِب وَبِهِ قُتِلَ، وَكانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمَئِذٍ عَمْرو بن النُّعْمان الْبَياضِيّ فَقُتِلَ فِيها أَيْضًا، وَكانَ النَّضر فِيها أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْر فَرَجَعُوا وانْتَصَرَتْ
(1) "سيرة ابن هشام" 2/ 21، 23 مختصرًا.
(2) صحيح: أخرجه البخاريُّ (3777)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب الأنصار. سرواتهم: أشرافهم.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 109
* * *
الْأَوْس وَجُرِحَ حُضَيْر يَوْمئِذٍ فَماتَ فِيها، وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ: بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ: بِأَكْثَر والْأَوَّل أَصَحّ، وَذَكَرَ- أبو الْفَرَج الْأَصبَهانِي أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ كانَ مِنْ قاعِدَتهمْ أَنَّ الْأَصِيل لا يُقْتَل بِالْحَلِيفِ، فَقَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَوْس حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ، فَأَرادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فامْتَنَعُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْحَرْب لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَقُتِلَ فِيها مِنْ أَكابِرهمْ مَنْ كانَ لا يُؤْمِن، أَيْ يَتَكَبَّر وَيَأْنَف أَنْ يَدْخُل في الْإِسْلام حَتَّى لا يَكُون تَحت حُكْم غَيْره، وَقَدْ كانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذا النّحو عبد الله بن أبي بن سَلُول وَقِصَّته في ذَلِكَ مَشْهُورَة مَذْكُورَة في هَنا الْكِتاب وَغَيْره (1). اهـ.
16 - وفي السنه الثانيه عشرة من البعثه: أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم -من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي، ثم عرج به إلي سدرة المنتهى ففرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس.
الشرح:
ثم كافأ الله -عز وجل- رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسرّى عنه برحلة الإسراء والمعراج؛ فأراه من آياته الكبرى ما جعل قلبه - صلى الله عليه وسلم - يطيب ويطمئن ويثبت، وينكشف عنه ما ألمَّ به من همّ وحزن وأسى بعد وفاة عمه وزوجته - رضي الله عنها -، وما لاقاه من إعراض قومه عن دعوته - صلى الله عليه وسلم -.
فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يحزنه الإيذاء الشخصي له - صلى الله عليه وسلم - إنما الذي كان يحزنه - صلى الله عليه وسلم - ويكاد يقتله؛ هو إعراضهم عن الدعوة ورفضهم لها؛ رحمة منه - صلى الله عليه وسلم - وشفقة عليهم، ولذلك يقول الله -عز وجل- له - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف: 6]، {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)} [الشعراء: 3]
(1) "فتح الباري" 7/ 138، 139.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 110
* * *
وحادثة الإسراء والمعراج صحيحة ثابتة بالقرآن والسنة:
أما ثبوتها بالقرآن ففي قول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} [الإسراء: 1]، وقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم:1 - 18].
وقد فصل النبي -صلى الله عليه وسلم- أحداث هذه الرحلة المباركة تفصيلًا دقيقًا، بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث صحيحة.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: "بَيْنَما أَنا عِنْدَ الْبَيْتِ (1) في الحجر مضطجعًا (2) بَيْنَ النّائِمِ والْيَقْظانِ (3) إذا أتاني آتٍ فشق (4) من النحر إلى مراقّ البطن (5) فاستُخْرِجَ قَلْبِي (6) ثم غسله بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمانًا
(1) البخاري (3207).
(2) البخاري (3887).
(3) البخاري (3207).
(4) البخاري (3887).
(5) البخاري (3207). أي إلي ما رقّ من الجلد وهو ما يكون أسفل البطن.
(6) مسلم (164).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 111
* * *
فأَفْرَغَهُ في صَدرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ (1) ثُمَّ أُتِيتُ بِدابَّةٍ أَبْيَضَ يُقالُ لَهُ: الْبُراقُ فَوْقَ الْحِمارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَي طَرْفِهِ (2) فاسْتَصعَبَ عَلَيهِ، فَقالَ لَهُ جبريلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذا؟ فَما رَكِبَكَ أحدٌ أكرَمُ عَلَى الله مِنْهُ قالَ فارْفَضَّ عَرَقًا (3) حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَزبِطُ بِهِ الْأَنْبِياءُ، قالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ (4) فَصَلَّيْتُ بالنبيين والمرسلين إمامًا (5) ثُمَّ خَرَجْتُ فَجاءَنِي جِبْرِيلُ -عليه السلام- بِإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِناءٍ مِنْ لَبَنٍ فاخْترتُ اللَّبَنَ، فَقالَ جِبْرِيلُ-عليه السلام-: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ (6) ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَلَمّا جِئْتُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ جِبْرِيلُ لِخازِنِ السَّماءِ: افْتَح، قالَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: جِبرِيلُ، قالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نعَمْ، فَلَمّا فَتَحَ علَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا فَإِذا رَجُلٌ قاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَي يَسارِهِ أَسْودِةٌ، إِذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ يَسارِهِ بَكَى، فَقالَ: مَرحَبًا بِالنَّبِي الصّالِحِ، والابْنِ الصّالِحِ، قُلْتُ لِجِبرِيلَ: مَنْ هَذا؟ قال: هذا آدم وَهَذهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وَشِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ فأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، والْأَسْوِدةُ الَّتِي عَنْ شِمالِهِ أَهْلُ النّارِ فَإذا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذا نَظَرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَي (7) ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الثّانِيَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هذا؟ قالَ: جبريلُ، قِيلَ: وَمَنْ
(1) البخاري (349).
(2) مسلم (164).
(3) أحمد 3/ 164، الترمذي (3131)، وقال: حسن غريب، وصحح إسناده الألباني في "صحيح الترمذي".
(4) مسلم (162).
(5) انظر: "الإسراء والمعراج" للألباني (14).
(6) مسلم (162).
(7) البخاري (349).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 112
* * *
مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَد أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصتُ إِذا يَحيىَ وَعِيسَى وَهُما ابْنا الْخالَةِ قالَ: هَذا يَحيىَ وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِما فَسَلَّمْتُ فَردا ثُمَّ قالا مرحبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ والنَّبِي الصّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ فاستَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: جبريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَد أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ، فَفُتِحَ فَلَمّا خَلَصتُ إِذا يُوسُفُ قالَ: هَذا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ: مَرحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ والنَّبِي الصّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الرّابِعَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قالَ: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قالَ: نَعَم، قِيلَ: مَرحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ، فَفُتِحَ فَلَمّا خَلَصتُ إِلي إِدرِيسَ قالَ: هَذا إدرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ: مَرحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ والنَّبِي الصّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الْخامِسَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَد أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ ففتح فَلَمّا خَلَصتُ فإذا هارُونُ قالَ: هَذا هارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ والنَّبِي الصّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ السّادِسَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَد أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قالَ: نَعم، قالَ: مَرحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ، فَلَمّا خَلَصتُ فَإذا مُوسَى قالَ: هَذا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ: مَرحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ والنَّبِيِ الصّالِحِ فَلَمّا تَجاوَزْتُ بَكَي قِيلَ لَهُ: ما يبْكِيكَ؟ قالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي، يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أكثَرُ مِمَّنْ يَدخُلُها مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فاسْتَفْتَحَ جِبرِيلُ قِيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جبريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: مَرحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاءَ فَلَمّا خَلَصتُ فَإذا إِبْراهِيمُ قالَ: هَذا أَبُوكَ فَسَلِّم عَلَيْهِ قالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 113
* * *
السَّلامَ قالَ: مَرحَبًا بِالِابْنِ الصّالِحِ والنَّبِي الصّالِحِ ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَ سِدرَةُ الْمُنْتَهَى فَإذا نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ وَإِذا وَرَقُها مِثْلُ آذانِ الْفِيَلَةِ قالَ: هَذهِ سِدرَةُ الْمُنْتَهَى وإِذا أَرْبَعَةُ أَنْهارٍ نَهْرانِ باطِنانِ وَنَهْرانِ ظاهِرانِ فَقُلْتُ: ما هَذانِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: أَمّا الْباطِنانِ فَنَهْرانِ في الْجَنة، وَأَمّا الظّاهِرانِ فالنِّيلُ والْفُراتُ ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثمَّ أُتِيتُ بِإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِناءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِناءٍ مِنْ عَسَلٍ، فأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْها وَأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَواتُ خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقالَ: بِما أُمِرْتَ؟ قالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاةً كُل يَوْمٍ، قالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي واللهِ قَدْ جَرَّبْتُ النّاسَ قَبْلَكَ وَعالَجْتُ بني إِسْرائِيلَ أَشَدَّ الْمُعالَجَةِ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقالَ: مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فأُمِرتُ بِعَشْرِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقالَ: مِثْلَه فَرَجَعْتُ فأُمِرتُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقالَ: بِمَ أُمرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ قالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النّاسَ قَبْلَكَ وَعالَجْتُ بني إِسْرائِيلَ أَشَدَّ الْمُعالَجَةِ فارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قالَ سأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ قالَ فَلَمّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي" (1).
فلما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وَأَصبَحت بِمَكَّةَ، يقول - صلى الله عليه وسلم -: "فَظِعْتُ بِأَمْرِي (2) وَعَرَفْتُ أَنَّ النّاسَ مكَذِّبِيّ"، فَقَعَدَ- بأبي هو وأمي ونفسي - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3887)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج.
(2) أي اشتد عليَّ وهبْتُه. (نهاية).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 114
* * *
عَدُوُّ الله أبو جَهْلٍ، فَجاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقالَ لَهُ كالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كانَ مِنْ شَيءٍ؟! فَقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعَمْ"، قالَ: ما هُوَ؟ قالَ: "إِنهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ"، قالَ: إلى أَيْنَ؟ قالَ: "إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
قالَ: ثُمَّ أَصبَحتَ بَيْنَ ظَهْرانَيْنا؟! قالَ: "نَعَمْ".
قالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذا دَعا قَوْمَهُ إِلَيْه، قالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُم ما حَدَّثْتَنِي؟! فَقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَعَم".
فَقالَ: هَيّا مَعْشَرَ بني كَعْبِ بن لُؤَيٍّ!
حتى قالَ: فانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجالِسُ، وَجاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِما.
قالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِما حَدَّثْتَنِي.
فَقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّي أُسْرِيَ بِي اللَّيلَةَ".
قالُوا: إلى أَيْنَ؟ قال: "إِلَي بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
قالُوا: ثُمَّ أَصبَحتَ بَيْنَ ظَهْرانَيْنا؟ قالَ: "نَعَمْ".
قالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ واضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ متَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ؛ زَعَمَ!
قالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سافَرَ إلى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ.
فَقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فَذَهبتُ أَنْعَتُ، فَما زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنا أَنْظُرُ؛ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دارِ عِقالٍ - أَوْ عُقَيْلٍ- فَنَعَتُّهُ وَأَنا أَنْظُرُ إِلَيهِ".
قالَ: "وَكانَ مَعَ هَذا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْه".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 115
* * *
قالَ: فَقالَ الْقَوْمُ: أَمّا النَّعْتُ؛ فَواللهِ لَقَد أَصابَ (1).
(1) صحيح الإسناد: أخرجه أحمد 1/ 309، الطبراني (12782)، وحسنه الحافظ في "الفتح" 7/ 199، وقال الألباني في "الإسراء والمعراج" (82): سنده صحيح.
وقد اختلف علماء أهل السنة والجماعة في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه في هذه الليلة ليلة الإسراء والمعراج.
فنسب بعض العلماء لابن عباس أنه يقول بالرؤية وتبعوه في ذلك.
يقول ابن عباس: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (577)، النسائي في "الكبرى" (11539)، والحاكم 1/ 15 بسند صحيح.
وقال أيضًا في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)} [النجم: 13، 14].
قال: رأى ربه فتدلي فكان قاب قوسين أو أدنى.
حسن صحيح: أخرجه الترمذي (3280)، وقال: حديث حسن، وابن حبّان (57)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (933)، وقال الألباني في "صحيح الترمذي": حسن صحيح.
وقالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنه - ومن تبعها: لم يره.
عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عائِشَةَ فَقالَتْ: يا أَبا عائِشَةَ: ثَلاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنْهنَّ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى الله الفِريَة، قُلْتُ: ما هُنَّ؟ قالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى الله الْفِريَة، قالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِيني وَلا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ الله -عز وجل-: ف {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)}، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)}، فَقالَتْ أَنا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقالَ: "إنَّما هُوَ جِبرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيها غَيْرَ هاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَينَ السماءِ إلى الْأَرْضِ" فَقالَتْ: أَوَ لَم تَسْمَعْ أَن الله يَقُولُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} أَوَ لَم تَسْمَعْ أَنَّ الله يَقُولُ: {*وَمَا =
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 116

7 الاغصان



خير جار، قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي (1) فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي وبينهما عُرضُ النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قربة يجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة (2).
فضل مهاجري الحبشة:
عَنْ أبي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا أبو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أبو رُهْمٍ إِمَّا قَالَ: بِضْعٌ، وَإِمَّا قَالَ: في ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلاً مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إلى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بن أبي طَالِبٍ فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - زَائِرَةً وَقَدْ كَانَتْ
(1) أي: أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيغلبه.
(2) صحيح: أخرجه أحمد 2/ 1740، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وابن إسحاق في "السيرة" 1/ 229 - 232، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح السيرة" (170 - 178).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 88
* * *
هَاجَرَتْ إلى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسمَاءُ عِنْدَهَا فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، قَالَ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا في دَارِ أَوْ في أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ في الله وَفِي رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَايْمُ الله لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْأَلُهُ وَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: يَا نَبِيَّ الله إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "فَمَا قُلْتِ لَهُ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ"، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ، وَلَا أَعْظَمُ في أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ أبو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي (1).
فائدة:
اختلف أهل المغازي والسير فيمن أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشي، فقال بعضهم أرسلت قريش إلى النجاشي مرتين، فمرة أرسلوا مع عمرو بن العاص عبد الله بن أبي ربيعة، ومرة أرسلوا معه عمارة بن الوليد، وق آخرون لم ترسل قريش إلى النجاشي إلا مرة واحدة وانقسم أصحاب هذا القول إلى فريقين فريق قال: كان مع عمرو بن العاص عبد الله بن
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (4230، 4231) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، مسلم (2502، 2503) كتاب: فضائل الصحابة باب: من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 89
* * *
أبي ربيعة- وهم الأكثرون- وفريق قال كان معه عمارة بن الوليد.
وسبب هذا هو الاختلاف الذي وقع في الروايات التي ذكرتْ قصة الهجرة إلى الحبشة حيث ذُكر في حديثي أبي موسى وابن مسعود عمارة بن الوليد مع عمر وابن العاص، وأما حديث أم سلمة فذكر فيه عبد الله بن أبي ربيعة مع عمرو بن العاص.
والحقيقة فإن الناظر في الروايات يعلم يقينًا أن قول من قال كان هذا مرتين فكان في أحدهما عمارة بن الوليد وفي الأخرى عبد الله بن أبي ربيعة قول بعيد كل البعد عن الحقيقة والصواب، وذلك لأن الروايات الثلاثة ذُكر فيها الحوار الذي دار بين الأطراف الثلاثة، النجاشي، والمسلمين، ورسوليْ قريش، وجاء ذكر الحوار في جميع الروايات هو هو لم يتغير حتى عندما قال عمرو بن العاص: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيمًا، فأرسل النجاشي إلى المسلمين يسألهم عن ذلك فأجابه جعفر بن أبي طالب فأخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود.
فلأن الحوار واحد في الروايات الثلاثة يبعد جدًا أن تكون القصة قد تكررت، وإلا لو حدث هذا مرتين لَما أعاد عمرو بن العاص قولته في المرة الثانية، ولما كان أرسل النجاشي للمسلمين مرة أخرى يسألهم عما يقولون في عيسى بن مريم، وكان يكفيه أن يقول علمنا قولهم في عيسى بن مريم قبل ذلك.
فبهذا يعلم أن هذا القول غير صحيح.
فيبقى قول من قال كان هذا مرة واحدة، وكما سبق ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المرسَل مع عمرو بن العاص هو عمارة بن الوليد، وذهب بعضهم أنه عبد الله بن أبي ربيعة وهو الصواب.
وذلك لأن عبد الله بن أبي ربيعة جاء ذكره في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - وهو
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 90
* * *
حديث سنده مسلسل بالثقات غير ابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار إمام أهل المغازي والسير وقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يدلس. وقد أمنا من تدليسه حيث صرح بالتحديث فقال حدثني الزهريُّ.
وأما حديثي أبي موسى وابن مسعود فمدارهما على أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد ثقة ولكنه مدلس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث ولم يصرح في الروايتين، حيث قال في حديث أبي موسى: عن أبي بردة، وقال في حديث ابن مسعود: عن عبد الله بن عتبة.
ثم هو قد اختلط بأخرة والراوي عنه حديث أبي موسى هو إسرائيل بن يونس وهو ممن أخذ عنه بعد الاختلاط.
والراوي عنه حديث ابن مسعود وهو حُديج بن معاوية وهو صدوق يخطئ كما قال الحافظ، وضعفه ابن معين وغيره.
فالظاهر هنا أن ذكر عمارة بن الوليد في الحديث وَهمٌ من أبي إسحاق السَبيعي أي مما اختلط عليه فيه، خاصة وأن عبد الله بن أبي ربيعة وعمارة بن الوليد من قبيلة واحدة وهي بني مخزوم فلذلك أرى أنه شبِّه عليه فيه. والله أعلم.
فائدة أخرى:
رُوي في سبب سجود المشركين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدح آلهتهم فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
وقد رُوي هذا الحديث من طرق كثيرة بلغت العشرة ذكرها الشيخ الألباني في كتابه "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" وكلها طرق ضعيفة لا يقوى بعضها بعضًا كما أوضح ذلك الشيخ الألباني رحمه الله.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 91
* * *
فائدة ثالثة:
ذهب بعض أهل السير إلى أنَّ أبا موسى الأشعري كان مع من هاجروا إلى الحبشة من مكة، وذلك لما رواه أبو نعيم في الدلائل أن أبا موسى قال: أمرنا رسول - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، وهذا غير صحيح، والصحيح أن أبا موسى خرج من بلده باليمن قاصدًا النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فألقته السفينة إلى النجاشي بالحبشة هو ومن معه فوافقوا جعفر بن أبي طالب فأقاموا معه حتى قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر (1).
فهذا الحديث هو الثابت، أما الحديث السابق فرواه أبو نعيم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وأبو إسحاق قد اختلط كما سبق وإسرائيل ممن أخذ عنه بعد الاختلاط. والله أعلم.
8 - وفي السنه السادسة من البعثة: أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمرو بن الخطاب - رضي الله عنهما - فعز الإسلام بإسلامهما.
الشرح:
لقد كان إسلام الفاروق عمر وأسد الله حمزة، نصرًا وفتحًا كبيرًا للإسلام والمسلمين. فهما لم يكونا مجرد رجلين عاديين كبقية الرجال ولا شخصين كبقية الأشخاص، إنما كانا - رضي الله عنهما - جبلين شامخين, وأسدين جسورين، وبطلين كبيرين، دحض الله بهما جحافل المشركين، وأذل بهما طوائف الحاقدين والمعاندين، وأعز بهما الإسلام والمسلمين.
(1) سبق تخريجه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 92
* * *
يقول ابْنُ مَسْعُودٍ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ (1).
ويقول ابن مسعود أيضًا: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (2).
وقال أيضًا: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة (3).
وأما حمزة فكان فتى قوي الشكيمة تهابه قريش ويعملون له حسابًا، حتى إنه لما ضرب أبا جهل -عليه لعائن الله- على رأسه بالقوس ما استطاع أبو جهل أن يتفوه بكلمة مع قوة أبي جهل وجبروته.
إسلام حمزة - رضي الله عنه -:
وقد ذكر قصة إسلام حمزة - رضي الله عنه - ابن إسحاق فقال:
مرَّ أبو جهل برسول الله عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره، من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدْعان في مسكن لها تسمع ذلك منه، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أن أقبل متوشحًا قوسه راجعًا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادٍ من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة.
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3863) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
(2) صحيح: أخرجه ابن سعد في "الطبقات" 3/ 270، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح السيرة" (188).
(3) انظر: "صحيح السيرة" (188).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 93
* * *
فلما مرَّ بالمولاة، وقد رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبي الحكم ابن هشام، وَجَدَهُ ههنا جالسًا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد - صلى الله عليه وسلم -، فاحتمل حمزة الغضبُ لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، مُعدًّا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فَرُدَّ ذلك على إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببتُ ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتمَّ حمزة - رضي الله عنه - على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله.
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (1).
إسلام عمر - رضي الله عنه -
روى البخاري عَنْ عبد الله بن عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَئءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ.
بَيْنَمَا عُمَرُ جَالس إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ عمر: لَقَدْ أَخْطَاَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَىَّ الرَّجُلَ، فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ: فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا في السُّوقِ، جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَتْ: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا، وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا، وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا، قَالَ عُمَرُ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ،
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 203، 204.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 94
* * *
يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَوَثَبَ الْقَوْمُ، قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُل فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ (1).
قال الحافظ ابن حجر:
لَمَّحَ الْمُصَنِف بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِصَّة في بَاب: إِسْلَام عُمَر بِمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة وَطَلْحَة عَن عُمَر مِنْ أنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَبَب إِسْلَامه، فَرَوَى أبو نُعَيْم في "الدَّلَائِل" أنَّ أَبَا جَهْل جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُل مُحَمَّدًا مِائَة نَاقَة، قَالَ عُمَر: فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَم آلضَّمَان صَحِيح؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَقَلَّدَتُ سَيْفِي أُرِيدهُ، فَمَرَرْت عَلَى عِجْل وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَذْبَحُوهُ، فَقُمْت أَنْظُر إِلَيْهِمْ، فَإِذَا صَائِح يَصِيح مِنْ جَوْف الْعِجْل: يَا آلَ ذَرِيح، أَمْر نَجِيح، رَجُل يَصِيح بِلِسَانِ فَصِيح.
قَالَ عُمَر: فَقُلْت في نَفْسِي إِنَّ هَذَا الْأَمْر مَا يُرَاد بِهِ إِلَّا أَنَا (2). فكان هذا سبب إسلامه - رضي الله عنه -.
فلما أسلم عمر - رضي الله عنه - كان هذا عزًا للإسلام استجابة لدعوة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنٍ الرَّجُلَيْنِ إِلَيكَ بِأبي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ" قَال -يعني: ابن عمر- وَكَانَ أحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ (3).
9 - وفي السنه السابعه من البعثه: تعاهدت قريش على قطيعه بني هاشم إلا أن يسلموا إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتبوا بذلك صحيفه وعلقوها في الكعبة.
الشرح:
ذكر خبر الصحيفة ابن إسحاق حيث قال: فلما رأت قريش أن أصحاب
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3866)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
(2) "فتح الباري" 7/ 220.
(3) صحيح: أخرجه الترمذي، كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ,وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" (2907).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 95
* * *
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا, ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي- قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث- فدعا عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فشُلَّ بعضُ أصابعه (1).
10 - وفي هذه السنة: اعتزل بنو هاشم بن عبد مناف وتبعهم إخوانهم بنو المطلب بن عبد مناف مع أبي طالب إلى شعب أبي طالب، فأقاموا به ثلاث سنين، إلى أن سعى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وزمعه بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد في نقض الصحيفه، فخرج بنو هاشم وبنو المطلب من الشعب في أواخر السنة التاسعة.
الشرح:
قال ابن إسحاق:
فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش فظاهرهم (2).
فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَجَزَمَ مُوسَى بن عُقْبَة بِأَنَّهَا كَانَتْ ثَلَاث سِنِينَ حَتَّى جَهِدُوا وَلَمْ يَكُنْ يَأتِيهِمْ شَئء مِنْ الْأَقْوَات إِلَّا خُفْيَة، حَتَّى كانوا
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 238.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 238.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 96
* * *
يُؤْذُونَ مَنْ اِطَّلَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إلى بَعْض أَقَارِبه شَيْئًا مِنْ الصِّلَات، إلى أَنْ قَامَ في نَقْضِ الصَّحِيفَة نَفَر مِنْ أَشَدّهمْ في ذَلِكَ صَنِيعًا هِشَام بن عَمْرو بن الْحَارِث الْعَامِرِيّ، وَكَانَتْ أُمّ أَبِيهِ تَحْت هَاشِم بن عبد مَنَافٍ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّجهَا جَدّه، فَكَانَ يَصِلَهُمْ وَهُمْ في الشِّعْب، ثُمَّ مَشَى إلى زُهَيْر بن أبي أُمَيَّة وَكَانَتْ أُمّه عَاتِكَة بنت عبد الْمُطَّلِب فَكَلَّمَهُ في ذَلِكَ فَوَافَقَهُ، وَمَشَيَا جَمِيعًا إلى الْمُطْعِم بن عَدِيّ وَإِلَى زَمْعَة بن الْأَسْوَد فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسُوا بِالْحِجْرِ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ وَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أبو جَهْل: هَذَا أَمْر قُضِيَ بِلَيْل، وَفِي آخِر الْأَمْر أَخْرَجُوا الصَّحِيفَة فَمَزَّقُوهَا وَأَبْطَلُوا حُكْمهَا، وَذَكَرَ اِبْن هِشَام أنَّهُمْ وَجَدُوا الْأَرَضَة قَدْ أَكَلَتْ جَمِيع مَا فِيهَا إِلَّا اِسْم الله، وقيل أنها لَمْ تَدَع اِسْمًا لِلَّهِ إِلَّا أَكَلَتْهُ. والله أعلم (1).
11 - وفي السنه العاشرة من البعثة: مات أبو طالب، ثم ماتت خديجة - رضي الله عنها - بعده بثلاثة أيام , فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لموتهما حزنًا شديدًا، ونالت قريش منه - صلى الله عليه وسلم - مالم تنلْه في حياة عمه أبي طالب.
الشرح:
روى البخاري عَنْ هِشَامٍ بن عروة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - إلى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثٍ (2).
وكان ذلك بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام فقط (3) وهما نصيرا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - اللذان كانا يصدان عنه أذى قريش واعتداءاتهم عليه - صلى الله عليه وسلم -، لمكانتهما بين قريش.
(1) "فتح الباري" 7/ 232. بتصرف يسير.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3896) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة، وقدومها المدينة وبنائه عليها.
(3) ذكر ذلك البيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 352، 353 وغيرها ونقله ابن سيد الناس في "عيون الأثر" 1/ 227.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 97
* * *
ولذلك حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - لموتهما حزنًا شديدًا.
واشتهر هذا العام عند أهل التاريخ والسير بعام الحزن.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على إسلام عمه أبي طالب أشد الحرص حتى لحظة وفاته ولكنَّ إرادة الله غالبة.
روى الإِمام البخاري عَنْ الْمُسَيَّبِ بن حَزْن - رضي الله عنه - قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله"، فَقَالَ أبو جَهْلٍ وَعبد الله بن أبي أُمَيَّةَ: يَا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِب، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: هو عَلَى مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ"، فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)} [التوبة: 113] وَنَزَلَتْ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] (1).
ومع ذلك فقد نفعه دفاعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
عن العباس بن عبد الْمُطَّلِبِ عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فَإنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، فقَالَ: "نعم هُوَ في ضَحْضَاحٍ (2) مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أنَا لَكَانَ في الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ" (3).
(1) متفق عليه أخرجه البخاري (3884) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قصة أبي طالب، ومسلم (24) كتاب: الإيمان.
(2) الضحضاح: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (3885)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: قصة أبي طالب، عن أبي سعيد الخدري، ومسلم (209) كتاب: الإيمان, باب: شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 98
* * *
فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب (1).
12 - وفي شوال من هذه السنة: عقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - على عائشه وهي بنت ست سنين، ولم يبن بها إلا في السنة الأولي من الهجرة، وهي بنت تسع سنين - رضي الله عنها -.
الشرح:
قَالَتْ عائشة - رضي الله عنها -: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا بنتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا في بني الْحَارِثِ بن خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي (2) فَوَفَى جُمَيْمَةً (3) فَأَتَتْنِي أُمِّيِ أمُّ رُومَانَ وإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بيَدِي حَتَّى أوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهجُ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (4) فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي (5) إِلَّا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ضُحى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأنَا يَوْمَئِذٍ بنتُ تِسْعِ سِنِينَ (6).
(1) "عيون الأثر" 1/ 227.
(2) فتمزق شعري بالزاي أن تقطع، وللكشمهيني فتمرَّق بالراء أي انتتف. "فتح الباري" 7/ 265.
(3) فوفى أي: كثر. قال ابن حجر في "الفتح" 7/ 265: وفي الكلام حذف تقديره ثم فصلت من الوعك فتربى شعري فكثر، وقولها (جميمة) بالجيم مصغر الجُمة بالضم وهي مجمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين جمة، وإذا كان إلى شحمة الأذن وفرة. اهـ.
(4) قال ابن حجر: (علي خير طائر) أي على خير حظ ونصيب.
(5) قال ابن حجر: (فلم يرعني) بضم الراء وسكون العين أي لم يفزعني شيء إلا دخوله عليَّ.
(6) متفق عليه: أخرجه البخاري (3894)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة، وقدومها المدينة، وبنائه بها، ومسلم (1422) كتاب: النكاح، باب: تزويج البكر الصغيرة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 99
* * *
وروى الإمام مسلم عَنْ عَائِشَةَ أيضًا: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بنتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بنتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بنتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ (1).
وجاء في بعض الروايات الصحيحة أيضًا عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد عليها وهي بنت سبع سنين (2).
قال الإِمام النووي رحمه الله:
وَأَمَّا قَوْلهَا في رِوَايَة: (تَزَوَّجَنِي وَأَنَّا بنت سَبْع)، وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات (بِنْت سِتّ) فَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتّ وَكَسْر، فَفِي رِوَايَة اِقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَة عَدَّتْ السَّنَة الَّتِي دَخَّلَتْ فِيهَا. وَاَلله أَعْلَم (3).
وكان ذلك في شهر شوال لما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في شَوَّالٍ وَبَنَى بِي في شَوَّالٍ فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ (4).
وكان زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من عائشة - رضي الله عنها - بوحي من الله عزوجل.
قَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: "أُرِيتُكِ في الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ (5) فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأكشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِهِ" (6).
(1) صحيح: أخرجه مسلم (1422) كتاب: النكاح، باب: تزويج الأب البكر الصغيرة.
(2) انظر التخريج السابق.
(3) "شرح مسلم" للنووي 5/ 186.
(4) صحيح: أخرجه مسلم (1423) كتاب: النكاح، باب: التزوج والتزويج في شوال واستحباب الدخول فيه.
(5) السرقة بفتح المهملة والراء والقاف هي: القطعة.
(6) متفق عليه: أخرجه البخاري (5078) كتاب: النكاح، باب: نكاح الأبكار، ومسلم (2438) كتاب: "فضائل الصحابة" باب: في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 100
* * *
قال ابن حجر:
وَعِنْد الْآجُرّيّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عائِشَة: (لَقَد نَزَلَ جِبْرِيل بِصُورَتِي في راحَته -أي: في كفه- حِين أُمِرَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَتَزَوَّجنِي) وَيُجْمَع بَيْن هَذا وَبَيْن ما قَبْله- أنها كانت في قطعة حرير- بِأنّ الْمُراد أَنَّ صورَتها كانَتْ في الْخِرْقَة والْخِرْقَة في راحَته، وَيَحتَمِل أَنْ يَكُون نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِها في نَفْس الْخَبَر: (نَزَلَ مَرَّتَينِ). اهـ (1).
فهذا وحي من الله لأنّ رؤيا الأنبياء وحي، وعصمتهم في المنام كاليقظة. ولم يتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بكرًا إلا عائشة - رضي الله عنها -.
روى الإمام البخاريُّ عَنْ عائِشَةَ - رضي الله عنها - أنها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ
لَوْ نَزَلْتَ وادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْها ووَجَدْتَ شَجَرًا لَم يُؤْكَلْ مِنْها في أَيِّها
كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قالَ: "في الَّذِي لَم يُرتَعْ مِنْها" تَعْنِي أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَم
يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَها (2).
13 - وفي شوال من هذه السنه: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم -سودة بنت زمعه - رضي الله عنها -.
الشرح:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لَمّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ، جاءَتْ خوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمانَ بن مَظْعُونٍ قالَتْ: يا رَسُولَ الله أَلا تَزَوَّجُ؟ قالَ: "مَنْ؟ " قالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قالَ: "فَمَنْ الْبِكْرُ؟ " قالَتْ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ الله إِلَيْكَ، عائِشَة ابنة أبي بَكْرٍ، قالَ: "وَمَنْ الثَّيِّبُ؟ " قالَتْ: سَوْدَةُ بنت زَمْعَةَ، قَدْ آمَنَتْ بِكَ وَأتبَعَتْكَ عَلَى ما تَقُولُ، قالَ: "فَاذْهبِي فاذْكُرِيهِما عَلَىَّ" فَدَخَلَتْ بيْتَ أبي بَكْرٍ فَقالَتْ: يا أُمَّ رُومانَ، ماذا أَدخَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: وَما ذاكَ؟
(1) "فتح الباري" 9/ 87.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (5077) كتاب: النكاح، باب: نكاح الأبكار.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 101
* * *
قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَخْطُبُ عَلَيْهِ عائِشَةَ، قالَتْ: انْتَظِرِي أَبا بَكْرٍ حَتَّى يَأْتِيَ، فَجاءَ أبو بَكْرٍ فَقالَتْ: يا أَبا بَكْرٍ، ماذا أَدْخَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَخْطُبُ عَلَيْه عائِشَةَ، قالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ؟! إِنَّما هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ، فَرَجَحَتْ إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ قالَ: "ارْجعِي إِلَيهِ فَقُولِي لَهُ: أَنا أَخُوكَ، وَأَنْتَ أَخِي في الْإِسْلامِ، وابْنَتُكَ تَصلُحُ لِي" فَرَجَعَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قالَ: انْتَظِرِي، وَخَرَجَ قالَتْ أُمُّ رُومانَ: إِنَّ مُطْعِمَ بن عَدِيٍّ قَدْ كانَ ذَكَرَها عَلَى ابْنِهِ، واللهِ ما وَعَدَ مَوْعِدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهُ- لِأبي بَكْرٍ - فَدَخَلَ أبو بَكْرٍ عَلَى مُطْعِمِ بن عَدِيٍّ وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ الْفَتَي فَقالَتْ: يا ابْنَ أبي قُحافَةَ، لَعَلَّكَ مُصْبٍ صاحِبَنا مُدخِلُهُ في دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ إِنْ تَزَوَّجَ إِلَيْكَ؟ فقالَ أبو بَكْرٍ لِلْمُطْعِمِ بن عَدِيٍّ: أقَوْلَ هَذِهِ تَقُولُ؟ قالَ: إِنَّها تَقُولُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَقد أَذْهَبَ الله ما كانَ في نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهُ، فَرَجَعَ فَقالَ لِخَوْلَةَ: ادعِي لِي رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَدَعَتْهُ فَزَوَّجَها إِيّاهُ، وَعائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بنت ستِّ سِنِينَ، ثُمَّ خَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى سَوْدةَ بنتِ زَمْعَةَ فَقالَتْ: ماذا أَدْخَلَ الله عَلَيْكِ مِنْ الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ! قالَتْ: وما ذاكَ؟ قالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَخْطُبُكِ عَلَيْهِ! قالَتْ: وَددْتُ، ادْخُلِي إلى أبي فاذْكُرِي ذَلكَ لَهُ، وَكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَدْرَكَهُ السِّنُّ، قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْحَجِّ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَحَيَّتْهُ بِتَحِيَّةِ الْجاهِلِيَّةِ، فَقالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقالَتْ: خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ، قالَ: فَما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أَرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بن عبد الله أَخْطُبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، فقالَ: كُفْؤ كَرِيمٌ، ماذا تَقُولُ صاحِبَتُكِ؟ قالَتْ: تُحِبُّ ذاكَ، قالَ: ادعُيها لِي، فَدَعَتُها، قالَ: أَيْ بنيَّةُ، إِنَّ هذِهِ تَزْعُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بن عبد الله بن عبد الْمُطَّلِبِ قَدْ أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ، وَهُوَ كُفْؤ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ بِهِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: ادْعِيهِ لِي، فَجاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَزَوَّجَها إِيّاهُ، فَجاءَها أَخُوها عبد بن زَمْعَةَ مِنْ الْحَجِّ، فَجَعَلَ يَحثِي في رَأْسِهِ التُّرابَ، فَقالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: لَعَمْرُكَ إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي في رَأْسِي التُّرابَ؛ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سَوْدةَ بنتَ زَمْعَةَ (1).
(1) إسناده حسن: أخرجه أحمد 6/ 210، 211، الطبري في "التاريخ" 3/ 162، ابن =
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 102

6 الاغصان



الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)} إلى قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)} [مريم: 77 - 80] (1).
وكان ممن عذب صهيب الرومي:
قال ابن حجر نقلاً عن البغوي:
وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله (2).
ولما أقبل أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - إلى مكة مؤمنًا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي" فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله, فثَارَ عليه الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ, فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ (3).
فهذا قليل من كثير مما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من كفار مكة لإرغامهم على ترك عقيدة التوحيد.
ووالله ما كان هذا منهم لتكذيبهم له - صلى الله عليه وسلم -، فهم يعلمون جيدًا أنه الصادق، وقد شهدوا له بذلك حتى بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الذي حملهم على ذلك جحودهم وظلمهم وكبرهم! قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا
(1) متفق عليه أخرجه البخاري (2425) , كتاب: الخصومات، باب: التقاضي، ومسلم (2795) كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الروح.
(2) "الإصابة" 2/ 909.
(3) صحيح: أخرجه مسلم (2473) كتاب: فضائل الصحابة, باب: فضائل أبي ذر.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 74
* * *
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33]. وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ...} [النمل: 14]، وكانوا ينكرون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5] وكان من أسباب محاربتهم للدعوة أن قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} [الزخرف: 31].
فلم يكن عندهم أدنى استعداد لترك دين الآباء والأجداد حتى قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال: 32].
ثم التجأ المشركون- بعد ذلك إلى أسلوب آخر ألا وهو أسلوب التشكيك -أي: تشكيك المؤمنين في دينهم ونبيهم- فلجأوا إلى طلب المستحيلات، حتى يعجز عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يغمزُن بعد ذلك أصحابه أنه لو كان نبيًا حقًا لما عجز عن ذلك، فكانوا يطالبونه بهذه الآيات ويقولون حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، وهم لا ينوون في قرارة أنفسهم إلا نكران هذه الآيات.
فلما علم الله منهم أنهم يطالبون بهذه الآيات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى، والرشاد لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيِّهم وضلالتهم يترددون (1).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا
(1) "البداية والنهاية" 3/ 56.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 75
* * *
الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ، قَالَ: "وَتَفْعَلُوا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لك: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، قَالَ: "بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" (1).
ثم سأل المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشق لهم القمر شقين فأجابهم الله لهذا:
فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِرْقَتَينِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشْهَدُوا" (2).
فلما انشق القمر قال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشه، فقال: رجل منهم: إن محمدًا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا، فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك (3).
ثم التجأ المشركون بعد ذلك إلى أسلوب المجادلة:
عن جابر - رضي الله عنه - قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، وينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة،
(1) صحيح: أخرجه أحمد 1/ 345، وابن جرير في "التفسير" 15/ 108، والحاكم 2/ 362، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، قال الألباني وهو كما قالا "صحيح السيرة" (152 - 153).
(2) متفق عليه أخرجه البخاري (4867)، كتاب: "التفسير"، باب: قوله تعالى وانشق القمر، ومسلم (2802)، كتاب: صفة القيامة، باب: انشقاق القمر.
(3) "عيون الأثر" 1/ 207.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 76
* * *
فقالوا: أنت يا أبا الوليد! فأتاه عتبة فقال: يا محمَّد! أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فقال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول لله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (1) قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى (2)، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "فرغت؟ " قال: نعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "بسم الله الرحمن الرحيم {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)} " إلى أن بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} " [فصلت:1 - 13] فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم، ثم قال: لا والذي نصبها بيِّنة، ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك أيكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله, ما فهمت شيئًا مما قال، غير ذكر الصاعقة (3).
(1) السخل: المولود المحبب إلى أبويه، وهو في الأصل ولد الغنم. "النهاية في غريب الحديث والأثر" ابن الأثير، ط. دار المعرفة, بيروت.
(2) أي ما ننتظر إلا وقتًا قليلاً قدر ما تصيح الحُبلى ثم تضع.
(3) صحيح: أخرجه الحاكم 2/ 506، 507، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، قال الألباني: وهو كما قالا انظر "صحيح السيرة" 159، 160.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 77
* * *
6 - عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتماعات سرية بالمسلمين في دار الأرقم ليُعلِّمهم شرائع الإسلام.
الشرح:
كانت هذه الدار في أصل الصفا بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاختارها رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلوا عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإِسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة.
ومما لم يكن يُشك فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو اجتمع بالمسلمين علنًا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلاً، فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً منهم فسال دمه، وكان أول دم هريق في الإسلام.
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السرية والاختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم وإجتماعهم، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا، نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام (1).
(1) "الرحيق المختوم" 97، 98.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 78
* * *
7 - وفي السنة الخامسة من البعثة: هاجر جماعة من الصحابة إلى الحبشة - بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفاظًا على دينهم, منهم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وجعفر بن أبي طالب, فأقاموا بها عشر سنين.
الشرح:
كان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وقيل وامرأتان، وقيل كانوا إثنى عشر رجلاً، وقيل عشرة، وأنهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (1).
سبب الهجرة إلى الحبشة:
تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها:
لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه"، فخرجنا إليها أرسالاً، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا (2).
المهاجرون الأولون إلى الحبشة:
كان عثمان بن عفان أول من خرج إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته رقية
(1) "فتح الباري" 7/ 227.
(2) سيأتي تخريجه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 79
* * *
بنت رسول - صلى الله عليه وسلم - (1)، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل، فولدت له بأرض الحبشة محمَّد بن أبي حذيفة، ثم تبعهم مصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سَبرة بن أبي رُهُم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وسهيل بن بيضاء.
فهؤلاء أحد عشر رجلاً وخمسة نسوة.
قيل: وكان عليهم عثمان بن مظعون.
وهو قول أكثر أهل السير.
وقيل: كان عليهم عثمان بن عفان. والله أعلم.
رجوع المهاجرين إلى مكة مرة أخري:
ثم حدث بعد ذلك أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ بمكة فلما وصل إلى آية السجدة منها سَجَدَ وسجد معه المسلمون والمشركون وحتى الجن سجدوا، ومَا بَقِيَ أحد مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ (2).
فوصل هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ولكن بصورة أخرى، حيث وصلهم أن مشركي مكة قد أسلموا، فرجعوا.
حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة
(1) رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام. أخرجه البيهقي في "الدلائل" والفسوي في "المعرفة والتاريخ" وهو حديث ضعيف لا يصح.
(2) صحيح: انظر: "صحيح البخاري" (1067، 1070، 1071) كتاب: سجود القرآن.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 80
* * *
كان باطلاً، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار، أو مستخفيًا، فكان ممن دخل عليه مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرًا، ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومن مات بمكة (1).
وكان ممن دخل منهم بجوار: عثمان بن مظعون دخل بجوارٍ من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد دخل بجوار من أبي طالب بن عبد المطلب، وكان خاله، فأم أبي سلمة هي بَرَّةُ بنت عبد المطلب (2).
عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد:
فلما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله مالا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وَفَتْ ذمَّتُك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا, ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره! قال: فانطلقْ إلى المسجد فارددْ علي جواري علانية كما أجرتك علانية، قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىَّ جواري، قال: صدق قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان (3).
قصة أبي سلمة في جواره:
لما استجار أبو سلمة بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، قالوا:
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 247.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 248. بتصرف يسير.
(3) "سيرة ابن هشام" 1/ 248، 249.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 81
* * *
يا أبا طالب، لقد منعت منا ابن أخيك محمدًا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بي، وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قوله ,والله لتنتهنَّ عنه أو لنقومنَّ معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، قال فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليًا وناصرًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأبقوا على ذلك (1).
دخول أبي بكر في جوار ابن الدُّغُنَّة ورد جواره عليه:
روى ابن إسحاق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى سار مكة يومًا أو يومين، لقيه ابن الدغنة (2) أخو بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش (3) فقال ابن الدغنة: أين أبو بكر؟ قال: أخرجني وآذوني، وضيقوا عليَّ، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري، فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضنَّ له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه، قالت: وكان
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 249.
(2) ابن الدغنة: ضبط بفتح الدال وكسر الغين وفتح النون مخففة، وبضم الدال والغين وفتح النون مشددة، فالأول ضبط المحدثين، والثاني ضبط أهل اللغة، وفي القاموس أو بضم فسكون كخرمة, قال السهيلي: والدُغنة اسم امرأة عُرف بها الرجال، والدغن: الغيم بعد المطر. من تعليق محمد محيي الدين عبد الحميد على "سيرة ابن هشام".
(3) الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث، والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبل يسمى حُبْشيًا بأسفل مكة فسموا بذلك. من تعليقات الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد على "سيرة ابن هشام".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 82
* * *
لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمح، فكان يصلي فيه، وكان رجلاً رقيقًا، إذا قرأ القرآن استبكى، قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة, فقالوا: يا ابن الدغنة، إن لم تُجرْ هذا الرجل ليُؤذينا إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحوٌ، فنحن نتخوف علنى صبياننا ونسائنا وضَعَفَتِنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع ما شاء، قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إني لم أُجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذُّوا بذلك منك، فأدخل بيتك، فاصنع فيها ما أحببت، قال: أو أرُدُّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جواري، قال: قد رددته عليك، قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد عليَّ جواري فشأنكم بصاحبكم (1).
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلي نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا (2).
وكان عدد المهاجرين في هذه المرة نحو ثمانين رجلاً كما جاء في حديث ابن مسعود (3).
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 250، 251. بتصرف يسير.
(2) "الرحيق المختوم" (99).
(3) حسن: أخرجه أحمد 4/ 4400، الحاكم 2/ 623 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وابن سيد الناس في "عيون الأثر"، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" 164، 166.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 83
* * *
قريش ترسل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليردَّ المسلمين:
عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين وهما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما- وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته (1).
ولنترك إحدى شهود العيان تحكى لنا تفاصيل ما دار هناك في أرض الحبشة، وما دار بين النجاشي - رضي الله عنه - ورسولا قريش.
تقول السيدة أم سلمة - رضي الله عنها -: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله, لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمَّروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجَا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبعد من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منَّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم
(1) "الرحيق المختوم" (99)، بطارقته: جمع بطريق، وهو الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم، وهو ذو منصب وتقدم عندهم. "النهاية في غريب الحديث".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 84
* * *
إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعماهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله، ايْمُ الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ، قومًا جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم -، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 85
* * *
والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنَّا، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص)، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أُكادُ، قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه؟ قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله (1) فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في
(1) أي: ولم ينزل بنا همٌّ مثله، خوفًا من النجاشي وأن ذلك يخالف عقيدته.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 86
* * *
عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيا، كائنًا في ذلك ما هو كائن (1)، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول (2). قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! (3) اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، والسيوم: الآمنون, من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غُزِم، فما أُحب أن لي دَبْرًا ذهبًا وأني آذيت رجلاً منكم، والدبر بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه, وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع
(1) وهذا موقف عظيم نتعلمه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث لم يحملهم ما هم فيه من شدة وبلاء على الكذب والتدليس وأن يقولوا في عيسى بن مريم خلاف عقيدتهم التي تخالف عقيدة النصارى، بل قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنًا في ذلك ما هو كائن، فكان ما كان من النجاشي أن أجلسهم في أرضه وتحت حمايته مطمئنين وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: "فإن الصدق طمأنينة" الترمذي (2518)، وأحمد 1/ 200، وصححه الألباني "صحيح الجامع" (3378).
بل إن ذلك أدى إلى إسلام النجاشي.
فتعلموا يا شباب الصحوة من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومواقف صحابته، فهؤلاء والله الذين يُقتدى بهم، فإن اقتديتم بهم فنعم الاقتداء.
(2) امرأة بتول: أي منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم، وبها سُميت مريم أم المسيح عليهما السلام. "النهاية في غريب الحديث".
(3) النخيرة صوت الأنف. قال ابن الأثير: فتناخرت بطارقته أي تكلمت وكأنه كلام مع غضب ونفور. "النهاية في غريب الحديث".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 87

5 الاغصان



يكتم أمرما وهذا من باب السياسة الشرعية، والنظر المصلحي للدعوة إذا كان الجهر يضر بها (1).
3 - أسلم السابقون الأولون مثل خديجة وعلي وزيد أبي بكر وغيرهم.
الشرح:
قد علمنا فيما سبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يدعو من يغلب على ظنه أنه سيدخل هذا الدين، وأنه سوف يكتم أمره.
فكانت خديجة - رضي الله عنها - أول من دعاها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإِسلام فأسلمت، ثم ثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين سره وموضع ثقته أبي بكر فأسلم، ولم يتردد، يقول - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقَ ... " (2).
فكان الصديق - رضي الله عنه - أول داعية في الإِسلام.
وكان ببركة إسلامه ودعوته ثلة مباركة دخلت في الدين وكانت من السابقين الأولين وكان لها في الإِسلام أعظم بذل وبلاء، فرضي الله عنهم أجمعين، منهم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ذو النورين والزبير بن العوام وهو حواري رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص خال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وطلحة بن عبيد الله وكل هؤلاء الذين دخلوا الإِسلام على يد أبي بكر من العشرة المبشرين رضي الله عنهم أجمعين.
(1) "وقفات تربوية مع السيرة النبوية" الشيخ أحمد فريد (68) بتصرف.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3661)، كتاب: فضائل الصحابة, باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذًا خليلاً، وأحمد في "فضائل الصحابة " (297).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 60
* * *
وكان أول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - , وكان ابن ثماني سنين، وقيل أكثر من ذلك، وكان من سابق سعادته أنه كان في كفاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وكان أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وكان غلامًا لخديجة فوهبته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - لما تزوجها.
ثم دخل بعد هذه الثلة الفاضلة التي سبقت لها السعادة وسبقت إلى الإيمان والعبادة، ثلة أخرى كريمة فاضلة منهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وسعيد بن زيد من العشرة المبشرين، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود، وأسماء، وعائشة، وقد أسلمت عائشة - رضي الله عنها - وهي طفلة صغيرة، أما أسماء فكانت متزوجة بالزبير بن العوام.
وتوالى إسلام الأفاضل من قريش، فأسلم جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي (1).
وكان من السابقين بلال بن رباح، وعمر بن عبسه السلمي، وياسر وسمية والدا عمار، والمقداد بن الأسود.
4 - ثم أُمر - صلى الله عليه وسلم - بالجهر فجهر فعاداه قومه.
الشرح:
وكانت نزول آية الشعراء: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] إيذانًا له - صلى الله عليه وسلم - بالجهر بالدعوة المباركة، وانتهاء المرحلة السرية.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} صَعِدَ
(1) "وقفات تربوية" 68، 69.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 61
* * *
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: "يَابني فِهْرٍ يَابني عَدِيٍّ" - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أبو لَهَب وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيكُمْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فَقَالَ أبو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد:1 - 2] (1).
ثم شمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ساعديه، وألقى النوم والراحة وراء ظهره، وأخذ يدعو إلى الله وإلى دين ربه عز وجل فهو لا يريد أن يضيع لحظة واحدة في غير الدعوة إلى الله.
ولم تكن الدعوة سهلة يسيرة، ولم يكن طريقها مفروش بالورود، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد واجه من الصعوبات والمشقة مالا يتحمله غيره، وصدق الله تعالى إذ يقول: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5].
وكان سبب هذه الصعوبات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعث على فترة من الرسل حتى إن كفار قريش قد ورثوا عبادة الأصنام والأوثان كابرًا عن كابر، فلم تكن عندهم أدنى موافقة على ترك دين آبائهم وأجدادهم إلى التدين بهذا الدين الجديد، بل كانوا يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} [الزخرف: 22].
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (4770)، كتاب: التفسير، سورة الشعراء، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين، مسلم (208) كتاب الإيمان, باب: وأنذر عشيرتك الأقربين كلاهما عن ابن عباس ونحوه عن أبي هريرة, ومسلم عن عائشة وزهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 62
* * *
ورغم ذلك حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - كل الحرص، وبذل كل الجهد حتى يخرج هؤلاء من عبادة الأوثان إلى عبادة رب الأنام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في الأسواق يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا" (1).
حتى إن الله تعالى لما رأى منه كل هذا الجهد والحزن الذي ملأ قلبه حتى كاد يقتله الحزن لخوفه عليهم من عذاب ربهم، رأف الله تعالى به فأنزل عليه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)} [الشعراء: 3]. وأنزل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف: 6]. أي: فلعك قاتل نفسك أسفًا وحزنًا لعدم إيمانهم بك وبرسالتك فلا تحزن كل هذا الحزن {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)} [الرعد: 40].
ثم استمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته التي واجه فيها صناديد قريش وكبراءها فآذوه أشد إيذاء وتعداه هذا الإيذاء إلى أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، بأبي هو وأمي ونفسي وأهلي - صلى الله عليه وسلم -.
5 - قام كفار قريش بتعذيب من علموا بإسلامه ليردوهم عن دينهم لكنهم صبروا وثبتوا.
الشرح:
واعتقد كفار مكة أن إيذاءهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعذيبهم لأصحابه سينال من عزيمتهم ويوهن قوتهم فيرضخون لهم ويطيعونهم فيما أرادوا, ولكن هيهات، هيهات، فما نالت هذه الأفعال من عزيمة الأبطال شيئًا، بل زادتهم قوة وصلابة.
(1) حسن: أخرجه أحمد 3/ 492، والطبراني في "الكبير" (4582)، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" 142/ 143.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 63
* * *
فكما علمت أخي الكريم لم يقف هذا الإيذاء عند حد معين، ولا على شخص معين، بل فاق كل الحدود ونال من كل شخص نطق بكلمة التوحيد {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)} [البروج: 8].
وإليك أخي الكريم بعض الصور لما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:
عَنْ عبد الله بن مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيتِ وَأبو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أبو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إلى سَلَا جَزُورِ بني فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ في كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (1) فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ (2) فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ عَلَيْكَ بِأبي جَهْلِ بن هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بن رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بن عُقْبَةَ, وَأُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ" وَذَكَرَ السَّابعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أبو إِسْحَقَ: الْوَلِيدُ بن عُقْبَةَ غَلَطٌ في هَذَا الْحَدِيثِ (3).
(1) هو عقبة بن أبي معيط كما ثبت في بعض الروايات.
(2) أي صغيرة.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (3854)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - =
* * *
5
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 64
* * *
وقد وقع شك من الراوي في "صحيح البخاري" أهو أمية بن خلف أم أُبيّ؟ والصحيح أنه أمية فهو الذي قتل يوم بدر أما أبي فقد قتل يوم أحد، وقد تقطعت أوصال أمية فلم يلق في البئر.
واعلم أخي الكريم أكرمك الله أن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم لم يكن بسبب إيذائهم له - صلى الله عليه وسلم -، فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يغضب لنفسه قط، وإنما كان ذلك لردهم دعوته وعدم قبولها.
عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بن الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: بَينَما النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي في حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] (1).
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ أبو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى- يمينًا يحلف بها- لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ, قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ
= وأصحابه من المشركين بمكة, مسلم (1794) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين. وهذا سياق مسلم، والسابع هو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في بعض الروايات.
(1) "صحيح البخاري" (3856) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 65
* * *
الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا" قَالَ: فَأَنْزَلَ الله عز وجل {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} [العلق:6 - 19] (1).
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "لَقَدْ أُوذِيتُ في الله عز وجل وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ في الله وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ" (2).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أن أبا جَهْلٍ جاء إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي، فَنَهَاهُ، فَتَهَدَّدَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: أَتُهَدِّدُنِي؟! أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَكْثَرُ أَهْلِ الْوَادِي نَادِيًا! فَأَنْزَلَ الله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)} إلى قوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ (3).
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (4958) كتاب: التفسير، تفسير سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق، مسلم (2797)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، والسياق له.
(2) صحيح: أخرجه أحمد (12151)، الترمذي (2472) كتاب: صفة القيامة والرقاق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2222)، "صحيح الجامع" (5001).
(3) صحيح: أخرجه أحمد (3045)، والترمذي (3349) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة اقرأ باسم ربك، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (275).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 66
* * *
ولما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)} أقبلت أم جميل أروى بنت حرب، امرأة أبي جهل وهي تنشد: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد ومعه أبو بكر - رضي الله عنه - فلما رأها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا فاعتصم به، فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا أبا بكر إني أُخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (1).
وكأنَّ الله تعالى أراد ألا يُسب نبيه من هؤلاء.
فعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَلَا تَعْجَبُونَ كَيفَ يَصْرِفُ الله عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟! " قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ" (2).
وكان الْمُشْرِكُونَ إذا سمعوا القرآن يجهر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بأصحابه مستخفيًا يسبون الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فأمره الله تَعَالَى أن يتوسط بالقراءة بحيث يسمعه أتباعه دون المشركين، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} [الإسراء: 110] (3).
(1) صحيح: أخرجه الحاكم (3376) كتاب: التفسير، تفسير سورة بني إسرائيل، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي "التعليقات الحسان" (6477)، "صحيح السيرة" للألباني (138).
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3533)، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحمد 2/ 244، 340، 366.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (4722)، كتاب: التفسير، سورة بني إسرائيل، مسلم (446) كتاب: الصلاة، باب: التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 67
* * *
ولكن الله تعالى قد كفى نبيه - صلى الله عليه وسلم - المستهزئين وعصمه منهم فلم يضروه بشيء، وقد تجلت هذه الرعاية وظهرت لما اجتمع كفار قُرَيْشٍ في الْحِجْرِ فَتَعَاهَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فلما علمت بذلك فَاطِمَةُ - رضي الله عنها - أقبلت تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِكَ في الْحِجْرِ قَدْ تَعَاهَدُوا أَنْ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وقَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ من ذلك، فقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا بنيَّةُ أَدْنِي وَضُوءًا"، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا هَذَا هو، فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ.
قَالَ ابن عباس: فَمَا أَصَابَتْ رَجُلًا مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلَّا قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا (1).
ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رغم كل هذا الإيذاء والتعنت ضده وضد دعوته رؤفًا بهم رحيمًا، حتى إن جِبْرِيلَ عليه السلام لما جاءه ومعه مَلَكُ الْجِبَالِ- يوم العقبة- وعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يطْبِقَ عَلَيهِمْ الْأَخْشَبَينِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُه لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا" (2).
فهل عرفت البشرية مثل هذه الرحمة؟ كلا والله ما عرفت ولن تعرف. بأبي هو وأمي ونفسي - صلى الله عليه وسلم -.
هذا ما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما عن أصحابه رضوان الله عليهم.
(1) صحيح: أخرجه أحمد 1/ 303، 368، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
(2) متفق عليه: البخاري (3231) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه, ومسلم (1795) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 68
* * *
فهذا بلال بن رباح -رضي الله عنه وأرضاه- عذب بلال في الله عذابًا لا يتحمَّلُه بشر، حتى إن المشركين ألبسوه أدرع الحديد وصهروه في الشمس هو ومن معه من السابقين فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلال.
عَنْ ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَأبو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَمَنَعَهُ الله بِعَمِّهِ، وَأَمَّا أبو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَعَ الْحَدِيدِ، فصَهَرُوهُمْ في الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ من أحد إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلَّا بِلَالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في الله, وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فأخذوه فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ فجعلوا يَطُوفُونَ بِهِ شِعَابَ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ (1).
(1) حسن: أخرجه أحمد 1/ 404، وابن ماجه (150) باب: فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والحاكم 3/ 284، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (121).
ويرد على هذا الحديث إشكالان:
الأول: في قول ابن مسعود: فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه. وظاهر هذا أن ابن مسعود ينفي تعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - للإيذاء، وهذا ليس مراد ابن مسعود - رضي الله عنه - بلا شك، وإلا فقد أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت ذلك في الأحاديث التي رواها ابن مسعود نفسه، إذًا فمراد ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُحبس ولم يُسجن كبقية المستضعفين وذلك لحماية عمه له. والله أعلم.
والثاني: قول ابن مسعود: فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً.
فظاهر هذا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد رجعوا عن دين الإِسلام إلى الكفر مرة أخرى، وهذا أيضًا ليس مراد ابن مسعود بلا شك, لأن هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم لم يرتد منهم أحد بل ظلوا - رضي الله عنهم - أعمدة للإسلام وحماة له حتى وفاتهم - رضي الله عنهم - إذًا فمراد ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ما منهم من أحد إلا وقد أخذ برخصة الله تعالى مع ثبوت الإيمان في قلبه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 69
* * *
قال الذهبي:
من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله (1).
وظل المشركون يعذبون بلالاً حتى إن كان أمية بن خلف - عليه لعائن الله - يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد (2).
وظل بلال يتحمل هذا التعذيب الشديد الذي يفوق طاقات البشر وهو يردد كلمته الخالدة: أحد، أحد، حتى اشتراه الصديق فأعتقه في سبيل الله.
عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالاً وهو مدفون في الحجارة بخمس أواقٍ من ذهب، فقالوا: لو أبيت إلا أُوقية لبعناكه، قال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته (3).
فكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أبو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا (4).
ثم أمكن الله بلالاً من عدوه أمية بن خلف في غزوة بدر فاقتص منه.
يقول عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي في صَاغِيَتِي (5) بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ في صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا
(1) "سير أعلام النبلاء" 3/ 206.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 262.
(3) "سير أعلام النبلاء" 3/ 210، وقال الذهبي: إسناده قوي.
(4) صحيح: أخرجه البخاري (3754)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: مناقب بلال بن رباح.
(5) الصاغية: بصاد مهملة وغين معجمة خاصة الرجل، مأخوذ من صاغ إليه إذا مال، قال الأصمعي: صاغية الرجل كل ما يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال. اهـ. "فتح الباري" 4/ 561.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 70
* * *
أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ فَكَاتَبْتُهُ عبد عَمْرٍو فَلَمَّا كَانَ في يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إلى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أُمَيَّةُ بن خَلَفٍ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ في آثَارِنَا فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ (1).
صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة:
وكان ممن عذب في الله عمار وأبواه ياسر وسمية - رضي الله عنهم -.
قال ابن حجر في ترجمة عمار:
كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يعذب في الله (2).
وقال ابن عبد البر:
كان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله (3).
فكان الكفار يلبسوهم أدرع الحديد فيصهروهم في الشمس حتى قتل ياسر.
وأما سمية فقيل أن أبا جهل طعنها في قبلها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام (4).
(1) صحيح: أخرجه البخاري (2301)، كتاب: الوكالة، باب: إذا وكل المسلم حربيًا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز.
(2) "الإصابة" 2/ 1300، ط. دار المعرفة، بيروت.
(3) "الاستيعاب" (548)، ط. دار المعرفة, بيروت.
(4) "الإصابة" 4/ 2542.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 71
* * *
وقيل طُعنت في فخذها فسرى الرمح إلى فرجها فماتت شهيدة (1).
فلما قتل والدا عمار واشتد عليه العذاب تابعهم على ما أرادوا وقلبه كاره له، قال ابن حجر: واتفقوا على أنه نزلت فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] (2).
وكان من مناقب آل ياسر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بهم وهم يعذبون ويقول: "أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة" (3).
وكان خباب بن الأرتِّ ممن عذب في الله:
قال ابن عبد البر:
وكان قديم الإِسلام ممن عذب في الله، وصبر على دينه (4).
وقال ابن حجر:
وروى البارودي، أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك (5).
(1) "الاستيعاب" (896).
(2) "الإصابة" 2/ 1300.
(3) ذكره الألباني في "صحيح السيرة" (155) وقال: أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 388، 389 من طريق أبي الزبير عن جابر، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، إلا أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعنه. وقد أخرجه عنه ابن سعد 3/ 249 من الطريق نفسها ولم يذكر فيه جابرًا، وقد ذكره الهيثمي 9/ 293 من مسنده وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة, ثم ذكر له شاهدًا من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا مثله، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(4) "الاستيعاب" (236).
(5) "الإصابة" 1/ 473.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 72
* * *
حتى إن خبابًا ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو له شدة ما يلقونه من المشركين، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فقال له هو وجماعة من الصحابة: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثم يؤتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ الله تعالى هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (1).
وقد جَاءَ خَبَّابٌ يومًا إلى عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فَقَالَ له: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ (2).
ولم يتوقف إيذاء المشركين للمسلمين على الإيذاء الجسدي فقط، بل إنَّ المشركين استحلوا أموالهم فأكلوها بالباطل.
قال خباب: كنت رجلاً قينًا (3).
وَكَانَ عَلَى الْعَاصِ بن وَائِلٍ دين، فَأَتَيْتُهُ، أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا والله, لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ, لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تموت ثُمَّ تبعث، قَالَ: فإني إذا مت ثُمَّ أُبْعَثَ، جئتني ولي ثم مَال وَوَلَد فاعطيك، فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3852)، كتاب: "مناقب الأنصار"، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.
(2) صحيح: أخرجه ابن ماجه (153) باب: "فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -" وابن سعد 3/ 165، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (157).
(3) بفتح القاف وسكون الياء وأصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة. "فتح الباري".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 73

4 الاغصان



11 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الخامسة والعشرين تزوج خديجة - رضي الله عنها -.
الشرح:
ثم تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - وكان - صلى الله عليه وسلم - آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره، وخديجة - رضي الله عنها - في الأربعين من عمرها.
وذكر ابن إسحاق أنها كانت في الثامنة والعشرين (1).
وتشير روايات ضعيفة- بل معظمها واهٍ - إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - وهي تحدد بداية التعارف بينهما عن طريق عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تجارة خديجة، التي كانت ثرية تضارب بأموالها وقد ذهب بتجارتها إلى قريش مرتين- قرب خميس مشيط وكانت متابعة لليمن- أو حباشة- سوق بتهامة من نواحي مكة- أو الشام، فربح بتجارتها وحكي لها غلامها ميسرة الذي صحبه عن أخلاقه وطباعه، فأعجبت
= معيشتهم في ظلمات العصبية الجاهلية وقبل إشراقة أنوار النبوهّ المحمدية، لم يمنعهم هذا من نصرة المظلوم الغريب على الظالم القريب، وهو خلق عظيم جاء الإِسلام فزاده نورًا وبهاءً، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)} [المائدة:2]، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152].
وقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَنْصُرهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: "تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْم فَإنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ" صحيح: أخرجه البخاري (6952)، كتاب: الإكراه، باب: يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه وكذلك كل مكرهٍ يخاف فإنه يذب عنه المظالم ويقاتل دونه ولا يخذله فإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص.
(1) "مستدرك الحاكم" 3/ 182 من كلام ابن إسحاق بدون إسناد.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 42
* * *
به، وقد خطبها لأبيها خويلد بن أسد فزوجه منها .... اهـ (1).
وقيل مات خويلد بن أسد قبل الفجار، وقيل مات في الفجار وكان زعيم قومه فيها والذي زوجها هو عمها عمرو بن أسد.
12 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الخامسة والثلاثين اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه فحكم بينهم.
الشرح:
روى الإِمام أحمد: عن السائب بن عبد الله أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يَبْنِي الْكَعْبَةَ في الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَكان لِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَيَّ أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ الله قال: وكنت أَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ (2) الَّذِي أَنْفَسُهُ (3) عَلَى نَفْسِي فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ، فَيَجِيءُ الْكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ (4) فَيَبُولُ عليه. قال: فَبَنَينَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ، وَلا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ، يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهُ وَجْهُ الرَّجُلِ. فَقَالَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ: نَحْنُ نَضَعُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا. فقَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنْ الْفَجِّ، فَجَاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، فَوَضَعَهُ في ثَوْبٍ، ثمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ، فرفعوا بنوَاحِيهِ مَعَهُ فَوَضعَهُ هُوَ - صلى الله عليه وسلم - (5).
وروى الطيالسي عن علي - رضي الله عنه - قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش،
(1) "السيرة النبوية الصحيحة" 1/ 112 - 113.
(2) الغليظ.
(3) أبخل به.
(4) يختلي.
(5) حسن: أخرجه أحمد 1/ 425، والحاكم 1/ 458 وصححه، وأخرجه الذهبي، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة النبوية" (45).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 43
* * *
فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا، من يضعه؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل بطن أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعه (1).
وروى البخاري في "صحيحه": عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَه عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ؟ قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رؤي بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا - صلى الله عليه وسلم - (2).
وكان عمره - صلى الله عليه وسلم - حين تجديد بناء الكعبة خمسًا وثلاثين سنة (3).
13 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الثامنة والثلاثين ترادفت عليه علامات نبوته وتحدث بها الرهبان والكهان.
الشرح:
لقد مهد الله تعالى لبعثه: نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإرهاصات وعلامات منذ ولادته، منها ما هو حسي بأحداث تحدث له، كالذي رأته أمه حين ولادته وما حدث له أثناء رضاعه عند حليمة السعدية، وقصة بحيري الراهب وتسليم الحجر عليه، وغير ذلك.
ومنها ما هو معنوي ظهر في أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، كتركه الكذب وتركه شرب
(1) حسن: أخرجه الطيالسي 2/ 86، والحاكم 1/ 459، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (45).
(2) صحيح: أخرجه البخاري (1582). كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(3) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 5/ 102 - 104 بإسناد صحيح.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 44
* * *
الخمر خلافًا لعادة الرجال في ذلك الوقت، وعدم سجوده لصنم حتى أقسم زيد بن حارثة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما مس صنمًا قط حتى أكرمه الله بالوحي (1).
وعدم طوافه بالبيت عُريانًا وغيرها من صفات الرجولة والشهامة حتى قَالَتْ له خَدِيجَةُ: إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (2).
وحتى يشاهد هذه العلامات كل من حوله ويرونها رأي العين، ويتناقلونها بينهم، حتى إذا ما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكونون في عجبة من أمره. وكان ما أراده الله عزّ وجلّ فما أن بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا سارع كثير من المقربين إليه وغير المقربين بالإيمان به والدخول في دعوته المباركة، ولم يبق إلا من ختم الله على قلبه، أو من أراد الله أن يؤخر إسلامه إلى حين آخر.
ولذلك حتى الذين لم يؤمنوا به - صلى الله عليه وسلم - كانوا على يقين أنه على حق وأنه لا يكذب، وذلك لما علموه عنه من أخلاق كريمة، ومما حدث له من أحداث قبل نبوته، ومن تحديث الكهان والرهبان وأهل الكتاب به - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ما منعهم أن يؤمنوا به وأن يجحدوا بتلك العلامات إلا الكبر، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)} [النمل: 14]، وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33].
(1) حسن: أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 5/ 88، والبيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 34، والحاكم في "المستدرك" (4956)، وحسنه الذهبي في "السيرة".
(2) متفق عليه: أخرجه البخاري (4953) كتاب: التفسير، باب: اقرأ باسم ربك الذي خلق، ومسلم (252) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 45
* * *
فلما كان قبيل بعثته - صلى الله عليه وسلم - ترادفت عليه علامات نبوته وتكاثرت وحدث بها الأحبار والرهبان والكهان، فأما الأحبار والرهبان فبما علموه من كتبهم، وأما الكهان فبما تأتيهم به شياطينهم من استراق السمع.
ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه": عَنْ عبد الله بن عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَى الرَّجُلَ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي، قَالَ كُنْتُ كَاهِنَهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا في السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ، فَقَالَتْ:
أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وإِبْلَاسَهَا (1) ... وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا
وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا
قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ (2) أَمْرٌ
(1) تقول أبلس الرجل إذا سكت ذليلًا أو مغلوبًا. ويأسها من بعد إنكاسها: اليأس ضد الرجاء، والإنكاس الإنقلاب، ومعناه: أنها يأست من استراق السمع بعد أن كانت قد ألفته فانقلبت عن الاستراق مذ يأست من السمع.
والقلاص بكسر القاف وبالمهملة: جمع قلص بضمتين وهو جمع قلوص وهي الفتية من النياق.
والأحلاس: جمع حلس بكسر فسكون وهو كساء جلد يوضع علي ظهر البعير.
(2) الجليح معناه: الوقح المكافح بالعداوة. قال ابن حجر: ووقع في معظم الروايات التي أشرت إليها يا آل ذريح وهم بطن مشهور في العرب.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 46
* * *
نَجِيحْ رَجُلٌ فَصيحْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَوَثَبَ الْقَوْمُ فقُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيح أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ، فَصِيحْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا (1) أَنْ قِيلَ: هَنَا نبِيٌّ (2).
وصرح ابن حجر أن الرجل هو: سواد بن قارب، كما جاء في بعض طرق الحديث.
وكان من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - أن مُنعت الشياطينُ من استراق السمع (3).
وعندها قالت الجنُّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)} [الجن: 8 - 9].
ومن هواتف الجان أيضًا ما رواه أبو نعيم عن جابر بن عبد الله، قال: إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض، فوقع على حائط لهم، فقالت له: ألا تنزل إلينا وتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك؟ فقال لها: إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا، ووضع منا القرار (4).
وكان من تحديث يهود ما أخرجه ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَلَمَةَ بن سَلَامَةَ بن وَقْشٍ وَكَانَ مِنْ أهل بَدْرٍ قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ في بني عبد الْأَشْهَلِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيتِهِ حتى وقف على بني عبد الْأَشْهَلِ- قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا
(1) أي: فما لبثنا.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3866)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب.
(3) صحيح: أخرجه البخاري (4921) عن ابن عباس كتاب: التفسير، سورة قل أوحي إليَّ.
(4) حسن: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (29)، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (83).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 47
* * *
يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ مُضطَجِعًا فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي- فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ، وَالْبَعْثَ، وَالْحِسَابَ، وَالْمِيزَان، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ.
قال: فقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! أو تَرَى هَذَا كَائِنًا، إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟! قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أَنَّ لَهُ عظة مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ في الدار يُحَمُّونَهُ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ فيطينونه عَلَيْهِ، وَأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا.
قَالُوا: وَيْحَكَ يا فلان! فمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيُّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبلَادِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ.
قَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟
قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ.
قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ الله محمدًا رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا.
قال: فَقُلْنَا له: ويحك يَا فُلَانُ! أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلكن لَيْسَ بِهِ (1).
وروى ابن إسحاق أيضًا عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإِسلام- مع رحمة الله تعالى وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم
(1) صحيح: أخرجه أحمد 3/ 467، وابن هشام في "السيرة" 1/ 158 - 159، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (59).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 48
* * *
ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} [البقرة: 89] (1).
وروى عن عاصم بن عمر بن قتادة أيضًا عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة؛ كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإِسلام- قال: قلت: لا والله. قال: فإن رجلاً من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحلَّ بين أظهرنا، لا والله, ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. قيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة. فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم.
(1) صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" 1/ 158، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (57).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 49
* * *
قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (1) خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تُسْبَقَنَّ إليه يا معشر يهود! فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية- وكانوا شبابًا أحداثًا: يا بني قريظة! والله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به.
قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته. فنزلوا فأحرزوا دمائهم وأموالهم وأهليهم (2).
ومن تحديث الرهبان به ما جاء في قصة إسلام سلمان الفارسي وأنه كان مجوسيًا ثم دخل كنيسة نصارى فأعجبته عبادتهم، فدخل دينهم، ثم استوصى قس الكنيسة عند وفاته فأوصاه بالذهاب إلى قس الموصل الذي أوصاه عند وفاته بالذهاب إلى قس نصيبين الذي أوصاه عند وفاته أيضًا بقس عمورية، فأوصاه بإتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصفه له (3).
وتنبؤ ورقة بن نوفل به عندما ذهبت به خديجة - رضي الله عنها - إليه (4).
وتنبؤ هرقل بانتشار دعوته - صلى الله عليه وسلم - وقوله: فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين (5).
(1) أتوقع وأنتظر.
(2) صحيح: أخرجه ابن هشام 1/ 159 - 160، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (61).
(3) صحيح: أخرجه أحمد 5/ 441 - 444، وابن هشام 1/ 160 - 164، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (70).
(4) سبق تخريجه.
(5) سبق تخريجه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 50
* * *
وكذلك قصة ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وخروجهما من مكة بحثًا عن الدين الحق حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال الراهب لزيد: إن الذي تلتمس يوشك أن يظهر (1).
فكانت هذه (الآيات والمعجزات التي وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبيل الإرهاصات الدالة على تميزه عن غيره من الحنيفيين الذين عاصروه، وأن الله عزّ وجلّ سيختاره بالذات لأمر عظيم) (2).
14 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - التاسعة والثلاثين حُبب إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء شهر رمضان يتحنف فيه.
الشرح:
روى البخاري في "صحيحه": عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ،- قال الزهري: أحد رواه الحديث، والتحنث: التَّعبد اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ-، قَبْلَ أَنْ يرجع إلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا (3). وجاء في رواية ابن إسحاق أن ذلك كان في شهر رمضان (4).
15 - وقبل مبعثه بستة أشهر كان وحيه منامًا، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الشرح:
جاء في حدثنا عائشة السابق أنها قالت: كان أول ما بُدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) صحيح: أخرجه الحاكم 3/ 439 وصححه، ورواه أبو داود الطيالسي 2/ 161.
(2) "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" 1/ 163.
(3) سبق تخريجه.
(4) "السيرة" لابن هشام 1/ 172.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 51
* * *
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبْحِ (1).
قال ابن حجر:
هذا ظاهر في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يحبب إليه الخلاء، ويحتمل أن تكون لترتيب الأخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقًا على الرؤيا الصادقة، والأول أظهر .... اهـ (2).
(1) سبق تخريجه.
(2) "فتح الباري" 8/ 587.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 52
* * *
من البعثة
إلى الهجرة
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 53
* * *
من البعثة إلى الهجرة
1 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة جاءه جبريل عليه السلام بالوحي من ربه وهو في غار حراء.
الشرح:
ولما أتم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأربعين من عمره- على القول الراجح من أقوال أهل العلم- وذلك لما رواه البخاري بسنده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِأَرْبَعِينَ سَنَةً (1).
ولما رواه مسلم بسنده: عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّهُ قال: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ الله عَلَى رَأسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً (2).
لما أتم الأربعين أنعم الله عليه بنور النبوة والإيمان ليبدد به ظلمات الكفر والطغيان، حيث اختاره الله تعالى نبيًا له ورسولاً في الأرض، ونورًا يُهدى به إلى الجنة، وقد وصفه الله بذلك فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3902)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة.
(2) صحيح: أخرجه مسلم (2347)، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه وسنه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 55
* * *
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 15 - 16].
فكانت بعثته - صلى الله عليه وسلم - والنور الذي جاء به حجة على الناس، فمن تبعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
اللهم اجعلنا من أتباعه إلى أن نلقاك يا رب العالمين.
فكيف كان نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - لأول مرة؟ وأين كان هذا؟ وما الذي حدث له - صلى الله عليه وسلم - حينها؟ وكيف كان موقف من حوله منه حين أخبرهم بذلك؟
هذا ما سنعرفه من خلال الحديث الصحيح الذي يرويه الإِمام البخاري رحمه الله عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - وبعض جمل الحديث من "مدرج الزهري" أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ- وَهُوَ التَّعبد اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ- قَبْلَ أَنْ يَنْزِحَ إلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ في غَارِ حرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 1 - 3] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ - رضي الله عنها - فَقَالَ: "زَمِّلُونِي رمِّلُونِي" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيك الله أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 56
* * *
الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَت بِهِ وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ بن أَسَدِ بن عبد الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الجْاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ لَم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (1).
وكان نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - في المرة الأولى يوم الاثنين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن سبب صيامه ليوم الاثنين قال: "ذلك يوم ولدت ميه، ويوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه" (2).
وكان ذلك في شهر رمضان (3).
فترة الوحي:
ثم فتر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترة، كما ثبت ذلك في بعض طرق حديث عائشة السابق، وفي "الصحيحين" عن جَابِر بن عبد الله أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الْوَحْي فَتْرَةً" ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - كم كانت مدة
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (3)، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مسلم (160) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) سبق تخريجه.
(3) انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 172.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 57
* * *
فترة الوحي، واختلفت فيه أقوال العلماء اختلافًا شديدًا.
إلا أن المبارك فوري قال في كتابه "الرحيق المختوم": وقد ظهر لي شيء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يجاور بحراء شهرًا واحداً، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة، وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا -أي: لأول يوم من شهر شوال- ويعود إلى البيت. وقد ورد التنصيص في رواية "الصحيحين" على أن الوحي الذي نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد الفترة إنما نزل وهو راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر. أقول فهذا يفيد أن الوحي الذي نزل عليه بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحي، وأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة (1) من شهر رمضان فهذا يعني أن فترة الوحي كانت لعشرة أيام فقط، وأن الوحي نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة (2).
وأما ما ذكر في حديث عائشة - رضي الله عنها - عن محاولة النبي - صلى الله عليه وسلم - التردِّي من شواهق الجبال فقد ذهب ابن حجر إلى أنه بلاغ مرسل من مراسيل الزهري ومراسيل الزهري ضعيفة (3).
وردَّ الألبانيُّ هذه الزيادة بعلتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة.
(1) والصواب: الحادية والعشرين.
(2) "الرحيق المختوم" (76).
(3) "فتح الباري" 12/ 359 - 360.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 58
* * *
الثانية: أنها مرسلة معضلة ولم تأت من طريق موصولة يحتج بها.
ثم ذكر أنها زيادة منكرة من حيث المعنى، إذ لا يليق بالنبي المعصوم أن يحاول قتل نفسه مهما كان الدافع له على ذلك (1).
عودة الوحي:
ثم حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عودة الْوَحْيِ إليه مرة أخرى فَقَالَ: "فَبَينَما أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجَئِثْتُ (2) مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} إلى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 1 - 5] ثم حمي الوحي وتتابع" (3).
2 - ظل - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًا ثلاث سنوات.
الشرح:
فلما نزلت يا أيها المدثر كان إيذانًا له - صلى الله عليه وسلم - ببدء الدعوة إلى الله، فبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًا حفاظًا منه على الدعوة وعلى من معه من المؤمنين وهم قلة، وحتى لا يعلم المشركون بذلك فيقضون علي الدعوة في مهدها.
وأكد العلماء على أن هذه الفترة كانت ثلاث سنوات، فقد اجتهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفترة في دعوة من يغلب على ظنه أنه سيدخل في هذا الدين، وسوف
(1) انظر: "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (41).
(2) جُئثتُ: ذُعِرتُ وخفت. يقال: جُئث الرجل، وجئف وجُثَّ إذا فَزع.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (4925)، كتاب: التفسير، باب: وثيابك فطهر، ومسلم (161) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 59
* * *