وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّاما مَّعدُودَة/ قُل أَتَّخَذتُّمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهدا فَلَن يُخلِفَ ٱللَّهُ عَهدَهُۥ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ (80) بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَة وَأَحَٰاطَت بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَاٰبُ ٱلنَّارِ هُم فِيهَا خَٰلِدُون81سورة البقرة/ فالكسب هو : ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب كسب، وتحصيل حظ، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، فيتضح أنهنه استجلب به مضرة. والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره،ولهذا قد يتعدى إلى مفعولين، فيقال: كسبت فلانا كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك،[خيرا أو شرا] فكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابا والإحاطة هي البقاء في محيط السيئة ولا يكون ذلك الا: 1.بالاصرار عليها 2.او بالموت عليها عياذا بالله الواحد ...........................................................................................................

 نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين ومتعاقبتين تاريخيا  1. سورة البقرة في العام 1 أو 2 هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق {في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2. ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد تطليق امرأته عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق جبرا وفرضا لا يقع الطلاق الا  كذلك وإعجاز الباري ان استخدم حرفا واحدا هو حرف لام انتهاء الغاية في كلمة لـــــ عدتهن في اول ايات سورة الطلاق وجري علي ذلك تشريع الطلاق واستقر بقاؤه منذ نزوله في سورة الطلاق والي يوم القيامة وعلي ما بينه النبي {ص} في اصح رواية{مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا} علي الاطلاق واعلاها اسنادا وأثبتها وادقها حفظا

...............................................................................................................

 

وقعة بئر مَعُونَة شهر صفر سنة 4هـ /وتجرأت بنو غَطَفَان حتى همت بالغزو على المدينة في جمادي الأولي سنة 4 هـ‏/سرية أبي سلمة‏ 1/محرم سنة 4هـ/بعث عبد الله بن أُنَيس‏‏ 5/محرم/سنة 4هـ حتي السبت 25 محرم سنة4هـ/بعث الرَّجِيع‏ شهر صفر 4 للهجرة /واقعة بئر مَعُونة‏ شهر صفر 4 للهجرة غزوة بني النضير ربيع الأول سنة 4 من الهجرة،/غزوة نجد ‏ في شهر ربيع الثاني أو جمادي الأولي سنة 4 هـ(ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة 4 هـ /غزوة ذات الرِّقَاع‏ ربيع2 سنة4هـ/غزوة الخندق فى أواخر السنة الخامسة ****

الاثنين، 7 مايو 2018

6 الاغصان



الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)} إلى قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)} [مريم: 77 - 80] (1).
وكان ممن عذب صهيب الرومي:
قال ابن حجر نقلاً عن البغوي:
وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله (2).
ولما أقبل أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - إلى مكة مؤمنًا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي" فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله, فثَارَ عليه الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ, فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ (3).
فهذا قليل من كثير مما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من كفار مكة لإرغامهم على ترك عقيدة التوحيد.
ووالله ما كان هذا منهم لتكذيبهم له - صلى الله عليه وسلم -، فهم يعلمون جيدًا أنه الصادق، وقد شهدوا له بذلك حتى بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الذي حملهم على ذلك جحودهم وظلمهم وكبرهم! قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا
(1) متفق عليه أخرجه البخاري (2425) , كتاب: الخصومات، باب: التقاضي، ومسلم (2795) كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الروح.
(2) "الإصابة" 2/ 909.
(3) صحيح: أخرجه مسلم (2473) كتاب: فضائل الصحابة, باب: فضائل أبي ذر.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 74
* * *
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33]. وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ...} [النمل: 14]، وكانوا ينكرون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5] وكان من أسباب محاربتهم للدعوة أن قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} [الزخرف: 31].
فلم يكن عندهم أدنى استعداد لترك دين الآباء والأجداد حتى قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال: 32].
ثم التجأ المشركون- بعد ذلك إلى أسلوب آخر ألا وهو أسلوب التشكيك -أي: تشكيك المؤمنين في دينهم ونبيهم- فلجأوا إلى طلب المستحيلات، حتى يعجز عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يغمزُن بعد ذلك أصحابه أنه لو كان نبيًا حقًا لما عجز عن ذلك، فكانوا يطالبونه بهذه الآيات ويقولون حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، وهم لا ينوون في قرارة أنفسهم إلا نكران هذه الآيات.
فلما علم الله منهم أنهم يطالبون بهذه الآيات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى، والرشاد لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيِّهم وضلالتهم يترددون (1).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا
(1) "البداية والنهاية" 3/ 56.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 75
* * *
الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ، قَالَ: "وَتَفْعَلُوا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لك: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، قَالَ: "بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" (1).
ثم سأل المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشق لهم القمر شقين فأجابهم الله لهذا:
فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِرْقَتَينِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشْهَدُوا" (2).
فلما انشق القمر قال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشه، فقال: رجل منهم: إن محمدًا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا، فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك (3).
ثم التجأ المشركون بعد ذلك إلى أسلوب المجادلة:
عن جابر - رضي الله عنه - قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، وينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة،
(1) صحيح: أخرجه أحمد 1/ 345، وابن جرير في "التفسير" 15/ 108، والحاكم 2/ 362، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، قال الألباني وهو كما قالا "صحيح السيرة" (152 - 153).
(2) متفق عليه أخرجه البخاري (4867)، كتاب: "التفسير"، باب: قوله تعالى وانشق القمر، ومسلم (2802)، كتاب: صفة القيامة، باب: انشقاق القمر.
(3) "عيون الأثر" 1/ 207.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 76
* * *
فقالوا: أنت يا أبا الوليد! فأتاه عتبة فقال: يا محمَّد! أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فقال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول لله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (1) قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى (2)، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "فرغت؟ " قال: نعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "بسم الله الرحمن الرحيم {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)} " إلى أن بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} " [فصلت:1 - 13] فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم، ثم قال: لا والذي نصبها بيِّنة، ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك أيكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله, ما فهمت شيئًا مما قال، غير ذكر الصاعقة (3).
(1) السخل: المولود المحبب إلى أبويه، وهو في الأصل ولد الغنم. "النهاية في غريب الحديث والأثر" ابن الأثير، ط. دار المعرفة, بيروت.
(2) أي ما ننتظر إلا وقتًا قليلاً قدر ما تصيح الحُبلى ثم تضع.
(3) صحيح: أخرجه الحاكم 2/ 506، 507، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، قال الألباني: وهو كما قالا انظر "صحيح السيرة" 159، 160.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 77
* * *
6 - عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتماعات سرية بالمسلمين في دار الأرقم ليُعلِّمهم شرائع الإسلام.
الشرح:
كانت هذه الدار في أصل الصفا بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاختارها رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلوا عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإِسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة.
ومما لم يكن يُشك فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو اجتمع بالمسلمين علنًا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلاً، فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً منهم فسال دمه، وكان أول دم هريق في الإسلام.
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السرية والاختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم وإجتماعهم، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا، نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام (1).
(1) "الرحيق المختوم" 97، 98.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 78
* * *
7 - وفي السنة الخامسة من البعثة: هاجر جماعة من الصحابة إلى الحبشة - بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفاظًا على دينهم, منهم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وجعفر بن أبي طالب, فأقاموا بها عشر سنين.
الشرح:
كان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وقيل وامرأتان، وقيل كانوا إثنى عشر رجلاً، وقيل عشرة، وأنهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (1).
سبب الهجرة إلى الحبشة:
تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها:
لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه"، فخرجنا إليها أرسالاً، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا (2).
المهاجرون الأولون إلى الحبشة:
كان عثمان بن عفان أول من خرج إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته رقية
(1) "فتح الباري" 7/ 227.
(2) سيأتي تخريجه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 79
* * *
بنت رسول - صلى الله عليه وسلم - (1)، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل، فولدت له بأرض الحبشة محمَّد بن أبي حذيفة، ثم تبعهم مصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سَبرة بن أبي رُهُم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وسهيل بن بيضاء.
فهؤلاء أحد عشر رجلاً وخمسة نسوة.
قيل: وكان عليهم عثمان بن مظعون.
وهو قول أكثر أهل السير.
وقيل: كان عليهم عثمان بن عفان. والله أعلم.
رجوع المهاجرين إلى مكة مرة أخري:
ثم حدث بعد ذلك أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ بمكة فلما وصل إلى آية السجدة منها سَجَدَ وسجد معه المسلمون والمشركون وحتى الجن سجدوا، ومَا بَقِيَ أحد مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ (2).
فوصل هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ولكن بصورة أخرى، حيث وصلهم أن مشركي مكة قد أسلموا، فرجعوا.
حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة
(1) رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام. أخرجه البيهقي في "الدلائل" والفسوي في "المعرفة والتاريخ" وهو حديث ضعيف لا يصح.
(2) صحيح: انظر: "صحيح البخاري" (1067، 1070، 1071) كتاب: سجود القرآن.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 80
* * *
كان باطلاً، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار، أو مستخفيًا، فكان ممن دخل عليه مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرًا، ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومن مات بمكة (1).
وكان ممن دخل منهم بجوار: عثمان بن مظعون دخل بجوارٍ من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد دخل بجوار من أبي طالب بن عبد المطلب، وكان خاله، فأم أبي سلمة هي بَرَّةُ بنت عبد المطلب (2).
عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد:
فلما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله مالا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وَفَتْ ذمَّتُك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا, ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره! قال: فانطلقْ إلى المسجد فارددْ علي جواري علانية كما أجرتك علانية، قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىَّ جواري، قال: صدق قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان (3).
قصة أبي سلمة في جواره:
لما استجار أبو سلمة بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، قالوا:
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 247.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 248. بتصرف يسير.
(3) "سيرة ابن هشام" 1/ 248، 249.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 81
* * *
يا أبا طالب، لقد منعت منا ابن أخيك محمدًا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بي، وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قوله ,والله لتنتهنَّ عنه أو لنقومنَّ معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، قال فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليًا وناصرًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأبقوا على ذلك (1).
دخول أبي بكر في جوار ابن الدُّغُنَّة ورد جواره عليه:
روى ابن إسحاق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى سار مكة يومًا أو يومين، لقيه ابن الدغنة (2) أخو بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش (3) فقال ابن الدغنة: أين أبو بكر؟ قال: أخرجني وآذوني، وضيقوا عليَّ، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري، فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضنَّ له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه، قالت: وكان
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 249.
(2) ابن الدغنة: ضبط بفتح الدال وكسر الغين وفتح النون مخففة، وبضم الدال والغين وفتح النون مشددة، فالأول ضبط المحدثين، والثاني ضبط أهل اللغة، وفي القاموس أو بضم فسكون كخرمة, قال السهيلي: والدُغنة اسم امرأة عُرف بها الرجال، والدغن: الغيم بعد المطر. من تعليق محمد محيي الدين عبد الحميد على "سيرة ابن هشام".
(3) الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث، والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبل يسمى حُبْشيًا بأسفل مكة فسموا بذلك. من تعليقات الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد على "سيرة ابن هشام".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 82
* * *
لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمح، فكان يصلي فيه، وكان رجلاً رقيقًا، إذا قرأ القرآن استبكى، قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة, فقالوا: يا ابن الدغنة، إن لم تُجرْ هذا الرجل ليُؤذينا إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحوٌ، فنحن نتخوف علنى صبياننا ونسائنا وضَعَفَتِنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع ما شاء، قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إني لم أُجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذُّوا بذلك منك، فأدخل بيتك، فاصنع فيها ما أحببت، قال: أو أرُدُّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جواري، قال: قد رددته عليك، قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد عليَّ جواري فشأنكم بصاحبكم (1).
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلي نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا (2).
وكان عدد المهاجرين في هذه المرة نحو ثمانين رجلاً كما جاء في حديث ابن مسعود (3).
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 250، 251. بتصرف يسير.
(2) "الرحيق المختوم" (99).
(3) حسن: أخرجه أحمد 4/ 4400، الحاكم 2/ 623 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وابن سيد الناس في "عيون الأثر"، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" 164، 166.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 83
* * *
قريش ترسل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليردَّ المسلمين:
عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين وهما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما- وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته (1).
ولنترك إحدى شهود العيان تحكى لنا تفاصيل ما دار هناك في أرض الحبشة، وما دار بين النجاشي - رضي الله عنه - ورسولا قريش.
تقول السيدة أم سلمة - رضي الله عنها -: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله, لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمَّروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجَا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبعد من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منَّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم
(1) "الرحيق المختوم" (99)، بطارقته: جمع بطريق، وهو الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم، وهو ذو منصب وتقدم عندهم. "النهاية في غريب الحديث".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 84
* * *
إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعماهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله، ايْمُ الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ، قومًا جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم -، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 85
* * *
والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنَّا، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص)، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أُكادُ، قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه؟ قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله (1) فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في
(1) أي: ولم ينزل بنا همٌّ مثله، خوفًا من النجاشي وأن ذلك يخالف عقيدته.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 86
* * *
عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيا، كائنًا في ذلك ما هو كائن (1)، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول (2). قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! (3) اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، والسيوم: الآمنون, من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غُزِم، فما أُحب أن لي دَبْرًا ذهبًا وأني آذيت رجلاً منكم، والدبر بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه, وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع
(1) وهذا موقف عظيم نتعلمه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث لم يحملهم ما هم فيه من شدة وبلاء على الكذب والتدليس وأن يقولوا في عيسى بن مريم خلاف عقيدتهم التي تخالف عقيدة النصارى، بل قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنًا في ذلك ما هو كائن، فكان ما كان من النجاشي أن أجلسهم في أرضه وتحت حمايته مطمئنين وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: "فإن الصدق طمأنينة" الترمذي (2518)، وأحمد 1/ 200، وصححه الألباني "صحيح الجامع" (3378).
بل إن ذلك أدى إلى إسلام النجاشي.
فتعلموا يا شباب الصحوة من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومواقف صحابته، فهؤلاء والله الذين يُقتدى بهم، فإن اقتديتم بهم فنعم الاقتداء.
(2) امرأة بتول: أي منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم، وبها سُميت مريم أم المسيح عليهما السلام. "النهاية في غريب الحديث".
(3) النخيرة صوت الأنف. قال ابن الأثير: فتناخرت بطارقته أي تكلمت وكأنه كلام مع غضب ونفور. "النهاية في غريب الحديث".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 87

5 الاغصان



يكتم أمرما وهذا من باب السياسة الشرعية، والنظر المصلحي للدعوة إذا كان الجهر يضر بها (1).
3 - أسلم السابقون الأولون مثل خديجة وعلي وزيد أبي بكر وغيرهم.
الشرح:
قد علمنا فيما سبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يدعو من يغلب على ظنه أنه سيدخل هذا الدين، وأنه سوف يكتم أمره.
فكانت خديجة - رضي الله عنها - أول من دعاها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإِسلام فأسلمت، ثم ثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين سره وموضع ثقته أبي بكر فأسلم، ولم يتردد، يقول - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقَ ... " (2).
فكان الصديق - رضي الله عنه - أول داعية في الإِسلام.
وكان ببركة إسلامه ودعوته ثلة مباركة دخلت في الدين وكانت من السابقين الأولين وكان لها في الإِسلام أعظم بذل وبلاء، فرضي الله عنهم أجمعين، منهم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ذو النورين والزبير بن العوام وهو حواري رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص خال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وطلحة بن عبيد الله وكل هؤلاء الذين دخلوا الإِسلام على يد أبي بكر من العشرة المبشرين رضي الله عنهم أجمعين.
(1) "وقفات تربوية مع السيرة النبوية" الشيخ أحمد فريد (68) بتصرف.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3661)، كتاب: فضائل الصحابة, باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذًا خليلاً، وأحمد في "فضائل الصحابة " (297).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 60
* * *
وكان أول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - , وكان ابن ثماني سنين، وقيل أكثر من ذلك، وكان من سابق سعادته أنه كان في كفاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وكان أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وكان غلامًا لخديجة فوهبته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - لما تزوجها.
ثم دخل بعد هذه الثلة الفاضلة التي سبقت لها السعادة وسبقت إلى الإيمان والعبادة، ثلة أخرى كريمة فاضلة منهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وسعيد بن زيد من العشرة المبشرين، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود، وأسماء، وعائشة، وقد أسلمت عائشة - رضي الله عنها - وهي طفلة صغيرة، أما أسماء فكانت متزوجة بالزبير بن العوام.
وتوالى إسلام الأفاضل من قريش، فأسلم جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي (1).
وكان من السابقين بلال بن رباح، وعمر بن عبسه السلمي، وياسر وسمية والدا عمار، والمقداد بن الأسود.
4 - ثم أُمر - صلى الله عليه وسلم - بالجهر فجهر فعاداه قومه.
الشرح:
وكانت نزول آية الشعراء: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] إيذانًا له - صلى الله عليه وسلم - بالجهر بالدعوة المباركة، وانتهاء المرحلة السرية.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} صَعِدَ
(1) "وقفات تربوية" 68، 69.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 61
* * *
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: "يَابني فِهْرٍ يَابني عَدِيٍّ" - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أبو لَهَب وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيكُمْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فَقَالَ أبو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد:1 - 2] (1).
ثم شمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ساعديه، وألقى النوم والراحة وراء ظهره، وأخذ يدعو إلى الله وإلى دين ربه عز وجل فهو لا يريد أن يضيع لحظة واحدة في غير الدعوة إلى الله.
ولم تكن الدعوة سهلة يسيرة، ولم يكن طريقها مفروش بالورود، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد واجه من الصعوبات والمشقة مالا يتحمله غيره، وصدق الله تعالى إذ يقول: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5].
وكان سبب هذه الصعوبات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعث على فترة من الرسل حتى إن كفار قريش قد ورثوا عبادة الأصنام والأوثان كابرًا عن كابر، فلم تكن عندهم أدنى موافقة على ترك دين آبائهم وأجدادهم إلى التدين بهذا الدين الجديد، بل كانوا يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} [الزخرف: 22].
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (4770)، كتاب: التفسير، سورة الشعراء، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين، مسلم (208) كتاب الإيمان, باب: وأنذر عشيرتك الأقربين كلاهما عن ابن عباس ونحوه عن أبي هريرة, ومسلم عن عائشة وزهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 62
* * *
ورغم ذلك حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - كل الحرص، وبذل كل الجهد حتى يخرج هؤلاء من عبادة الأوثان إلى عبادة رب الأنام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في الأسواق يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا" (1).
حتى إن الله تعالى لما رأى منه كل هذا الجهد والحزن الذي ملأ قلبه حتى كاد يقتله الحزن لخوفه عليهم من عذاب ربهم، رأف الله تعالى به فأنزل عليه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)} [الشعراء: 3]. وأنزل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف: 6]. أي: فلعك قاتل نفسك أسفًا وحزنًا لعدم إيمانهم بك وبرسالتك فلا تحزن كل هذا الحزن {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)} [الرعد: 40].
ثم استمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته التي واجه فيها صناديد قريش وكبراءها فآذوه أشد إيذاء وتعداه هذا الإيذاء إلى أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، بأبي هو وأمي ونفسي وأهلي - صلى الله عليه وسلم -.
5 - قام كفار قريش بتعذيب من علموا بإسلامه ليردوهم عن دينهم لكنهم صبروا وثبتوا.
الشرح:
واعتقد كفار مكة أن إيذاءهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعذيبهم لأصحابه سينال من عزيمتهم ويوهن قوتهم فيرضخون لهم ويطيعونهم فيما أرادوا, ولكن هيهات، هيهات، فما نالت هذه الأفعال من عزيمة الأبطال شيئًا، بل زادتهم قوة وصلابة.
(1) حسن: أخرجه أحمد 3/ 492، والطبراني في "الكبير" (4582)، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" 142/ 143.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 63
* * *
فكما علمت أخي الكريم لم يقف هذا الإيذاء عند حد معين، ولا على شخص معين، بل فاق كل الحدود ونال من كل شخص نطق بكلمة التوحيد {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)} [البروج: 8].
وإليك أخي الكريم بعض الصور لما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:
عَنْ عبد الله بن مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيتِ وَأبو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أبو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إلى سَلَا جَزُورِ بني فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ في كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (1) فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ (2) فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ عَلَيْكَ بِأبي جَهْلِ بن هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بن رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بن عُقْبَةَ, وَأُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ" وَذَكَرَ السَّابعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أبو إِسْحَقَ: الْوَلِيدُ بن عُقْبَةَ غَلَطٌ في هَذَا الْحَدِيثِ (3).
(1) هو عقبة بن أبي معيط كما ثبت في بعض الروايات.
(2) أي صغيرة.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (3854)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - =
* * *
5
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 64
* * *
وقد وقع شك من الراوي في "صحيح البخاري" أهو أمية بن خلف أم أُبيّ؟ والصحيح أنه أمية فهو الذي قتل يوم بدر أما أبي فقد قتل يوم أحد، وقد تقطعت أوصال أمية فلم يلق في البئر.
واعلم أخي الكريم أكرمك الله أن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم لم يكن بسبب إيذائهم له - صلى الله عليه وسلم -، فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يغضب لنفسه قط، وإنما كان ذلك لردهم دعوته وعدم قبولها.
عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بن الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: بَينَما النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي في حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] (1).
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ أبو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى- يمينًا يحلف بها- لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ, قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ
= وأصحابه من المشركين بمكة, مسلم (1794) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين. وهذا سياق مسلم، والسابع هو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في بعض الروايات.
(1) "صحيح البخاري" (3856) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 65
* * *
الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا" قَالَ: فَأَنْزَلَ الله عز وجل {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} [العلق:6 - 19] (1).
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "لَقَدْ أُوذِيتُ في الله عز وجل وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ في الله وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ" (2).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أن أبا جَهْلٍ جاء إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي، فَنَهَاهُ، فَتَهَدَّدَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: أَتُهَدِّدُنِي؟! أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَكْثَرُ أَهْلِ الْوَادِي نَادِيًا! فَأَنْزَلَ الله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)} إلى قوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ (3).
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (4958) كتاب: التفسير، تفسير سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق، مسلم (2797)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، والسياق له.
(2) صحيح: أخرجه أحمد (12151)، الترمذي (2472) كتاب: صفة القيامة والرقاق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2222)، "صحيح الجامع" (5001).
(3) صحيح: أخرجه أحمد (3045)، والترمذي (3349) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة اقرأ باسم ربك، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (275).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 66
* * *
ولما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)} أقبلت أم جميل أروى بنت حرب، امرأة أبي جهل وهي تنشد: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد ومعه أبو بكر - رضي الله عنه - فلما رأها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا فاعتصم به، فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا أبا بكر إني أُخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (1).
وكأنَّ الله تعالى أراد ألا يُسب نبيه من هؤلاء.
فعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَلَا تَعْجَبُونَ كَيفَ يَصْرِفُ الله عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟! " قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ" (2).
وكان الْمُشْرِكُونَ إذا سمعوا القرآن يجهر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بأصحابه مستخفيًا يسبون الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فأمره الله تَعَالَى أن يتوسط بالقراءة بحيث يسمعه أتباعه دون المشركين، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} [الإسراء: 110] (3).
(1) صحيح: أخرجه الحاكم (3376) كتاب: التفسير، تفسير سورة بني إسرائيل، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي "التعليقات الحسان" (6477)، "صحيح السيرة" للألباني (138).
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3533)، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحمد 2/ 244، 340، 366.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (4722)، كتاب: التفسير، سورة بني إسرائيل، مسلم (446) كتاب: الصلاة، باب: التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 67
* * *
ولكن الله تعالى قد كفى نبيه - صلى الله عليه وسلم - المستهزئين وعصمه منهم فلم يضروه بشيء، وقد تجلت هذه الرعاية وظهرت لما اجتمع كفار قُرَيْشٍ في الْحِجْرِ فَتَعَاهَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فلما علمت بذلك فَاطِمَةُ - رضي الله عنها - أقبلت تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِكَ في الْحِجْرِ قَدْ تَعَاهَدُوا أَنْ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وقَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ من ذلك، فقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا بنيَّةُ أَدْنِي وَضُوءًا"، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا هَذَا هو، فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ.
قَالَ ابن عباس: فَمَا أَصَابَتْ رَجُلًا مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلَّا قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا (1).
ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رغم كل هذا الإيذاء والتعنت ضده وضد دعوته رؤفًا بهم رحيمًا، حتى إن جِبْرِيلَ عليه السلام لما جاءه ومعه مَلَكُ الْجِبَالِ- يوم العقبة- وعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يطْبِقَ عَلَيهِمْ الْأَخْشَبَينِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُه لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا" (2).
فهل عرفت البشرية مثل هذه الرحمة؟ كلا والله ما عرفت ولن تعرف. بأبي هو وأمي ونفسي - صلى الله عليه وسلم -.
هذا ما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما عن أصحابه رضوان الله عليهم.
(1) صحيح: أخرجه أحمد 1/ 303، 368، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
(2) متفق عليه: البخاري (3231) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه, ومسلم (1795) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 68
* * *
فهذا بلال بن رباح -رضي الله عنه وأرضاه- عذب بلال في الله عذابًا لا يتحمَّلُه بشر، حتى إن المشركين ألبسوه أدرع الحديد وصهروه في الشمس هو ومن معه من السابقين فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلال.
عَنْ ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَأبو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَمَنَعَهُ الله بِعَمِّهِ، وَأَمَّا أبو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَعَ الْحَدِيدِ، فصَهَرُوهُمْ في الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ من أحد إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلَّا بِلَالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في الله, وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فأخذوه فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ فجعلوا يَطُوفُونَ بِهِ شِعَابَ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ (1).
(1) حسن: أخرجه أحمد 1/ 404، وابن ماجه (150) باب: فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والحاكم 3/ 284، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (121).
ويرد على هذا الحديث إشكالان:
الأول: في قول ابن مسعود: فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه. وظاهر هذا أن ابن مسعود ينفي تعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - للإيذاء، وهذا ليس مراد ابن مسعود - رضي الله عنه - بلا شك، وإلا فقد أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت ذلك في الأحاديث التي رواها ابن مسعود نفسه، إذًا فمراد ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُحبس ولم يُسجن كبقية المستضعفين وذلك لحماية عمه له. والله أعلم.
والثاني: قول ابن مسعود: فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً.
فظاهر هذا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد رجعوا عن دين الإِسلام إلى الكفر مرة أخرى، وهذا أيضًا ليس مراد ابن مسعود بلا شك, لأن هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم لم يرتد منهم أحد بل ظلوا - رضي الله عنهم - أعمدة للإسلام وحماة له حتى وفاتهم - رضي الله عنهم - إذًا فمراد ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ما منهم من أحد إلا وقد أخذ برخصة الله تعالى مع ثبوت الإيمان في قلبه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 69
* * *
قال الذهبي:
من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله (1).
وظل المشركون يعذبون بلالاً حتى إن كان أمية بن خلف - عليه لعائن الله - يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد (2).
وظل بلال يتحمل هذا التعذيب الشديد الذي يفوق طاقات البشر وهو يردد كلمته الخالدة: أحد، أحد، حتى اشتراه الصديق فأعتقه في سبيل الله.
عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالاً وهو مدفون في الحجارة بخمس أواقٍ من ذهب، فقالوا: لو أبيت إلا أُوقية لبعناكه، قال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته (3).
فكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أبو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا (4).
ثم أمكن الله بلالاً من عدوه أمية بن خلف في غزوة بدر فاقتص منه.
يقول عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي في صَاغِيَتِي (5) بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ في صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا
(1) "سير أعلام النبلاء" 3/ 206.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 262.
(3) "سير أعلام النبلاء" 3/ 210، وقال الذهبي: إسناده قوي.
(4) صحيح: أخرجه البخاري (3754)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: مناقب بلال بن رباح.
(5) الصاغية: بصاد مهملة وغين معجمة خاصة الرجل، مأخوذ من صاغ إليه إذا مال، قال الأصمعي: صاغية الرجل كل ما يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال. اهـ. "فتح الباري" 4/ 561.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 70
* * *
أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ فَكَاتَبْتُهُ عبد عَمْرٍو فَلَمَّا كَانَ في يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إلى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أُمَيَّةُ بن خَلَفٍ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ في آثَارِنَا فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ (1).
صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة:
وكان ممن عذب في الله عمار وأبواه ياسر وسمية - رضي الله عنهم -.
قال ابن حجر في ترجمة عمار:
كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يعذب في الله (2).
وقال ابن عبد البر:
كان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله (3).
فكان الكفار يلبسوهم أدرع الحديد فيصهروهم في الشمس حتى قتل ياسر.
وأما سمية فقيل أن أبا جهل طعنها في قبلها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام (4).
(1) صحيح: أخرجه البخاري (2301)، كتاب: الوكالة، باب: إذا وكل المسلم حربيًا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز.
(2) "الإصابة" 2/ 1300، ط. دار المعرفة، بيروت.
(3) "الاستيعاب" (548)، ط. دار المعرفة, بيروت.
(4) "الإصابة" 4/ 2542.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 71
* * *
وقيل طُعنت في فخذها فسرى الرمح إلى فرجها فماتت شهيدة (1).
فلما قتل والدا عمار واشتد عليه العذاب تابعهم على ما أرادوا وقلبه كاره له، قال ابن حجر: واتفقوا على أنه نزلت فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] (2).
وكان من مناقب آل ياسر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بهم وهم يعذبون ويقول: "أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة" (3).
وكان خباب بن الأرتِّ ممن عذب في الله:
قال ابن عبد البر:
وكان قديم الإِسلام ممن عذب في الله، وصبر على دينه (4).
وقال ابن حجر:
وروى البارودي، أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك (5).
(1) "الاستيعاب" (896).
(2) "الإصابة" 2/ 1300.
(3) ذكره الألباني في "صحيح السيرة" (155) وقال: أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 388، 389 من طريق أبي الزبير عن جابر، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، إلا أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعنه. وقد أخرجه عنه ابن سعد 3/ 249 من الطريق نفسها ولم يذكر فيه جابرًا، وقد ذكره الهيثمي 9/ 293 من مسنده وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة, ثم ذكر له شاهدًا من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا مثله، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(4) "الاستيعاب" (236).
(5) "الإصابة" 1/ 473.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 72
* * *
حتى إن خبابًا ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو له شدة ما يلقونه من المشركين، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فقال له هو وجماعة من الصحابة: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثم يؤتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ الله تعالى هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (1).
وقد جَاءَ خَبَّابٌ يومًا إلى عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فَقَالَ له: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ (2).
ولم يتوقف إيذاء المشركين للمسلمين على الإيذاء الجسدي فقط، بل إنَّ المشركين استحلوا أموالهم فأكلوها بالباطل.
قال خباب: كنت رجلاً قينًا (3).
وَكَانَ عَلَى الْعَاصِ بن وَائِلٍ دين، فَأَتَيْتُهُ، أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا والله, لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ, لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تموت ثُمَّ تبعث، قَالَ: فإني إذا مت ثُمَّ أُبْعَثَ، جئتني ولي ثم مَال وَوَلَد فاعطيك، فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3852)، كتاب: "مناقب الأنصار"، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.
(2) صحيح: أخرجه ابن ماجه (153) باب: "فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -" وابن سعد 3/ 165، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (157).
(3) بفتح القاف وسكون الياء وأصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة. "فتح الباري".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 73

4 الاغصان



11 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الخامسة والعشرين تزوج خديجة - رضي الله عنها -.
الشرح:
ثم تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - وكان - صلى الله عليه وسلم - آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره، وخديجة - رضي الله عنها - في الأربعين من عمرها.
وذكر ابن إسحاق أنها كانت في الثامنة والعشرين (1).
وتشير روايات ضعيفة- بل معظمها واهٍ - إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - وهي تحدد بداية التعارف بينهما عن طريق عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تجارة خديجة، التي كانت ثرية تضارب بأموالها وقد ذهب بتجارتها إلى قريش مرتين- قرب خميس مشيط وكانت متابعة لليمن- أو حباشة- سوق بتهامة من نواحي مكة- أو الشام، فربح بتجارتها وحكي لها غلامها ميسرة الذي صحبه عن أخلاقه وطباعه، فأعجبت
= معيشتهم في ظلمات العصبية الجاهلية وقبل إشراقة أنوار النبوهّ المحمدية، لم يمنعهم هذا من نصرة المظلوم الغريب على الظالم القريب، وهو خلق عظيم جاء الإِسلام فزاده نورًا وبهاءً، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)} [المائدة:2]، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152].
وقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَنْصُرهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: "تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْم فَإنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ" صحيح: أخرجه البخاري (6952)، كتاب: الإكراه، باب: يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه وكذلك كل مكرهٍ يخاف فإنه يذب عنه المظالم ويقاتل دونه ولا يخذله فإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص.
(1) "مستدرك الحاكم" 3/ 182 من كلام ابن إسحاق بدون إسناد.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 42
* * *
به، وقد خطبها لأبيها خويلد بن أسد فزوجه منها .... اهـ (1).
وقيل مات خويلد بن أسد قبل الفجار، وقيل مات في الفجار وكان زعيم قومه فيها والذي زوجها هو عمها عمرو بن أسد.
12 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الخامسة والثلاثين اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه فحكم بينهم.
الشرح:
روى الإِمام أحمد: عن السائب بن عبد الله أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يَبْنِي الْكَعْبَةَ في الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَكان لِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَيَّ أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ الله قال: وكنت أَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ (2) الَّذِي أَنْفَسُهُ (3) عَلَى نَفْسِي فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ، فَيَجِيءُ الْكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ (4) فَيَبُولُ عليه. قال: فَبَنَينَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ، وَلا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ، يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهُ وَجْهُ الرَّجُلِ. فَقَالَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ: نَحْنُ نَضَعُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا. فقَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنْ الْفَجِّ، فَجَاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، فَوَضَعَهُ في ثَوْبٍ، ثمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ، فرفعوا بنوَاحِيهِ مَعَهُ فَوَضعَهُ هُوَ - صلى الله عليه وسلم - (5).
وروى الطيالسي عن علي - رضي الله عنه - قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش،
(1) "السيرة النبوية الصحيحة" 1/ 112 - 113.
(2) الغليظ.
(3) أبخل به.
(4) يختلي.
(5) حسن: أخرجه أحمد 1/ 425، والحاكم 1/ 458 وصححه، وأخرجه الذهبي، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة النبوية" (45).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 43
* * *
فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا، من يضعه؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل بطن أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعه (1).
وروى البخاري في "صحيحه": عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَه عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ؟ قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رؤي بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا - صلى الله عليه وسلم - (2).
وكان عمره - صلى الله عليه وسلم - حين تجديد بناء الكعبة خمسًا وثلاثين سنة (3).
13 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الثامنة والثلاثين ترادفت عليه علامات نبوته وتحدث بها الرهبان والكهان.
الشرح:
لقد مهد الله تعالى لبعثه: نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإرهاصات وعلامات منذ ولادته، منها ما هو حسي بأحداث تحدث له، كالذي رأته أمه حين ولادته وما حدث له أثناء رضاعه عند حليمة السعدية، وقصة بحيري الراهب وتسليم الحجر عليه، وغير ذلك.
ومنها ما هو معنوي ظهر في أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، كتركه الكذب وتركه شرب
(1) حسن: أخرجه الطيالسي 2/ 86، والحاكم 1/ 459، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (45).
(2) صحيح: أخرجه البخاري (1582). كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(3) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 5/ 102 - 104 بإسناد صحيح.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 44
* * *
الخمر خلافًا لعادة الرجال في ذلك الوقت، وعدم سجوده لصنم حتى أقسم زيد بن حارثة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما مس صنمًا قط حتى أكرمه الله بالوحي (1).
وعدم طوافه بالبيت عُريانًا وغيرها من صفات الرجولة والشهامة حتى قَالَتْ له خَدِيجَةُ: إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (2).
وحتى يشاهد هذه العلامات كل من حوله ويرونها رأي العين، ويتناقلونها بينهم، حتى إذا ما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكونون في عجبة من أمره. وكان ما أراده الله عزّ وجلّ فما أن بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا سارع كثير من المقربين إليه وغير المقربين بالإيمان به والدخول في دعوته المباركة، ولم يبق إلا من ختم الله على قلبه، أو من أراد الله أن يؤخر إسلامه إلى حين آخر.
ولذلك حتى الذين لم يؤمنوا به - صلى الله عليه وسلم - كانوا على يقين أنه على حق وأنه لا يكذب، وذلك لما علموه عنه من أخلاق كريمة، ومما حدث له من أحداث قبل نبوته، ومن تحديث الكهان والرهبان وأهل الكتاب به - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ما منعهم أن يؤمنوا به وأن يجحدوا بتلك العلامات إلا الكبر، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)} [النمل: 14]، وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33].
(1) حسن: أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 5/ 88، والبيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 34، والحاكم في "المستدرك" (4956)، وحسنه الذهبي في "السيرة".
(2) متفق عليه: أخرجه البخاري (4953) كتاب: التفسير، باب: اقرأ باسم ربك الذي خلق، ومسلم (252) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 45
* * *
فلما كان قبيل بعثته - صلى الله عليه وسلم - ترادفت عليه علامات نبوته وتكاثرت وحدث بها الأحبار والرهبان والكهان، فأما الأحبار والرهبان فبما علموه من كتبهم، وأما الكهان فبما تأتيهم به شياطينهم من استراق السمع.
ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه": عَنْ عبد الله بن عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَى الرَّجُلَ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي، قَالَ كُنْتُ كَاهِنَهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا في السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ، فَقَالَتْ:
أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وإِبْلَاسَهَا (1) ... وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا
وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا
قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ (2) أَمْرٌ
(1) تقول أبلس الرجل إذا سكت ذليلًا أو مغلوبًا. ويأسها من بعد إنكاسها: اليأس ضد الرجاء، والإنكاس الإنقلاب، ومعناه: أنها يأست من استراق السمع بعد أن كانت قد ألفته فانقلبت عن الاستراق مذ يأست من السمع.
والقلاص بكسر القاف وبالمهملة: جمع قلص بضمتين وهو جمع قلوص وهي الفتية من النياق.
والأحلاس: جمع حلس بكسر فسكون وهو كساء جلد يوضع علي ظهر البعير.
(2) الجليح معناه: الوقح المكافح بالعداوة. قال ابن حجر: ووقع في معظم الروايات التي أشرت إليها يا آل ذريح وهم بطن مشهور في العرب.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 46
* * *
نَجِيحْ رَجُلٌ فَصيحْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَوَثَبَ الْقَوْمُ فقُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيح أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ، فَصِيحْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا (1) أَنْ قِيلَ: هَنَا نبِيٌّ (2).
وصرح ابن حجر أن الرجل هو: سواد بن قارب، كما جاء في بعض طرق الحديث.
وكان من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - أن مُنعت الشياطينُ من استراق السمع (3).
وعندها قالت الجنُّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)} [الجن: 8 - 9].
ومن هواتف الجان أيضًا ما رواه أبو نعيم عن جابر بن عبد الله، قال: إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض، فوقع على حائط لهم، فقالت له: ألا تنزل إلينا وتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك؟ فقال لها: إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا، ووضع منا القرار (4).
وكان من تحديث يهود ما أخرجه ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَلَمَةَ بن سَلَامَةَ بن وَقْشٍ وَكَانَ مِنْ أهل بَدْرٍ قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ في بني عبد الْأَشْهَلِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيتِهِ حتى وقف على بني عبد الْأَشْهَلِ- قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا
(1) أي: فما لبثنا.
(2) صحيح: أخرجه البخاري (3866)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب.
(3) صحيح: أخرجه البخاري (4921) عن ابن عباس كتاب: التفسير، سورة قل أوحي إليَّ.
(4) حسن: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (29)، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (83).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 47
* * *
يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ مُضطَجِعًا فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي- فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ، وَالْبَعْثَ، وَالْحِسَابَ، وَالْمِيزَان، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ.
قال: فقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! أو تَرَى هَذَا كَائِنًا، إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟! قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أَنَّ لَهُ عظة مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ في الدار يُحَمُّونَهُ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ فيطينونه عَلَيْهِ، وَأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا.
قَالُوا: وَيْحَكَ يا فلان! فمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيُّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبلَادِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ.
قَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟
قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ.
قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ الله محمدًا رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا.
قال: فَقُلْنَا له: ويحك يَا فُلَانُ! أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلكن لَيْسَ بِهِ (1).
وروى ابن إسحاق أيضًا عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإِسلام- مع رحمة الله تعالى وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم
(1) صحيح: أخرجه أحمد 3/ 467، وابن هشام في "السيرة" 1/ 158 - 159، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (59).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 48
* * *
ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)} [البقرة: 89] (1).
وروى عن عاصم بن عمر بن قتادة أيضًا عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة؛ كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإِسلام- قال: قلت: لا والله. قال: فإن رجلاً من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحلَّ بين أظهرنا، لا والله, ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. قيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة. فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم.
(1) صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" 1/ 158، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (57).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 49
* * *
قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (1) خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تُسْبَقَنَّ إليه يا معشر يهود! فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية- وكانوا شبابًا أحداثًا: يا بني قريظة! والله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به.
قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته. فنزلوا فأحرزوا دمائهم وأموالهم وأهليهم (2).
ومن تحديث الرهبان به ما جاء في قصة إسلام سلمان الفارسي وأنه كان مجوسيًا ثم دخل كنيسة نصارى فأعجبته عبادتهم، فدخل دينهم، ثم استوصى قس الكنيسة عند وفاته فأوصاه بالذهاب إلى قس الموصل الذي أوصاه عند وفاته بالذهاب إلى قس نصيبين الذي أوصاه عند وفاته أيضًا بقس عمورية، فأوصاه بإتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصفه له (3).
وتنبؤ ورقة بن نوفل به عندما ذهبت به خديجة - رضي الله عنها - إليه (4).
وتنبؤ هرقل بانتشار دعوته - صلى الله عليه وسلم - وقوله: فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين (5).
(1) أتوقع وأنتظر.
(2) صحيح: أخرجه ابن هشام 1/ 159 - 160، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (61).
(3) صحيح: أخرجه أحمد 5/ 441 - 444، وابن هشام 1/ 160 - 164، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (70).
(4) سبق تخريجه.
(5) سبق تخريجه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 50
* * *
وكذلك قصة ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وخروجهما من مكة بحثًا عن الدين الحق حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال الراهب لزيد: إن الذي تلتمس يوشك أن يظهر (1).
فكانت هذه (الآيات والمعجزات التي وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبيل الإرهاصات الدالة على تميزه عن غيره من الحنيفيين الذين عاصروه، وأن الله عزّ وجلّ سيختاره بالذات لأمر عظيم) (2).
14 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - التاسعة والثلاثين حُبب إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء شهر رمضان يتحنف فيه.
الشرح:
روى البخاري في "صحيحه": عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ،- قال الزهري: أحد رواه الحديث، والتحنث: التَّعبد اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ-، قَبْلَ أَنْ يرجع إلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا (3). وجاء في رواية ابن إسحاق أن ذلك كان في شهر رمضان (4).
15 - وقبل مبعثه بستة أشهر كان وحيه منامًا، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الشرح:
جاء في حدثنا عائشة السابق أنها قالت: كان أول ما بُدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) صحيح: أخرجه الحاكم 3/ 439 وصححه، ورواه أبو داود الطيالسي 2/ 161.
(2) "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" 1/ 163.
(3) سبق تخريجه.
(4) "السيرة" لابن هشام 1/ 172.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 51
* * *
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبْحِ (1).
قال ابن حجر:
هذا ظاهر في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يحبب إليه الخلاء، ويحتمل أن تكون لترتيب الأخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقًا على الرؤيا الصادقة، والأول أظهر .... اهـ (2).
(1) سبق تخريجه.
(2) "فتح الباري" 8/ 587.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 52
* * *
من البعثة
إلى الهجرة
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 53
* * *
من البعثة إلى الهجرة
1 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة جاءه جبريل عليه السلام بالوحي من ربه وهو في غار حراء.
الشرح:
ولما أتم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأربعين من عمره- على القول الراجح من أقوال أهل العلم- وذلك لما رواه البخاري بسنده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِأَرْبَعِينَ سَنَةً (1).
ولما رواه مسلم بسنده: عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّهُ قال: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ الله عَلَى رَأسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً (2).
لما أتم الأربعين أنعم الله عليه بنور النبوة والإيمان ليبدد به ظلمات الكفر والطغيان، حيث اختاره الله تعالى نبيًا له ورسولاً في الأرض، ونورًا يُهدى به إلى الجنة، وقد وصفه الله بذلك فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
(1) صحيح: أخرجه البخاري (3902)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة.
(2) صحيح: أخرجه مسلم (2347)، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه وسنه.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 55
* * *
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 15 - 16].
فكانت بعثته - صلى الله عليه وسلم - والنور الذي جاء به حجة على الناس، فمن تبعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
اللهم اجعلنا من أتباعه إلى أن نلقاك يا رب العالمين.
فكيف كان نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - لأول مرة؟ وأين كان هذا؟ وما الذي حدث له - صلى الله عليه وسلم - حينها؟ وكيف كان موقف من حوله منه حين أخبرهم بذلك؟
هذا ما سنعرفه من خلال الحديث الصحيح الذي يرويه الإِمام البخاري رحمه الله عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - وبعض جمل الحديث من "مدرج الزهري" أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ- وَهُوَ التَّعبد اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ- قَبْلَ أَنْ يَنْزِحَ إلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ في غَارِ حرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 1 - 3] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ - رضي الله عنها - فَقَالَ: "زَمِّلُونِي رمِّلُونِي" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيك الله أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 56
* * *
الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَت بِهِ وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ بن أَسَدِ بن عبد الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الجْاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ لَم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (1).
وكان نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - في المرة الأولى يوم الاثنين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن سبب صيامه ليوم الاثنين قال: "ذلك يوم ولدت ميه، ويوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه" (2).
وكان ذلك في شهر رمضان (3).
فترة الوحي:
ثم فتر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترة، كما ثبت ذلك في بعض طرق حديث عائشة السابق، وفي "الصحيحين" عن جَابِر بن عبد الله أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الْوَحْي فَتْرَةً" ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - كم كانت مدة
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (3)، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مسلم (160) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) سبق تخريجه.
(3) انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 172.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 57
* * *
فترة الوحي، واختلفت فيه أقوال العلماء اختلافًا شديدًا.
إلا أن المبارك فوري قال في كتابه "الرحيق المختوم": وقد ظهر لي شيء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يجاور بحراء شهرًا واحداً، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة، وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا -أي: لأول يوم من شهر شوال- ويعود إلى البيت. وقد ورد التنصيص في رواية "الصحيحين" على أن الوحي الذي نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد الفترة إنما نزل وهو راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر. أقول فهذا يفيد أن الوحي الذي نزل عليه بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحي، وأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة (1) من شهر رمضان فهذا يعني أن فترة الوحي كانت لعشرة أيام فقط، وأن الوحي نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة (2).
وأما ما ذكر في حديث عائشة - رضي الله عنها - عن محاولة النبي - صلى الله عليه وسلم - التردِّي من شواهق الجبال فقد ذهب ابن حجر إلى أنه بلاغ مرسل من مراسيل الزهري ومراسيل الزهري ضعيفة (3).
وردَّ الألبانيُّ هذه الزيادة بعلتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة.
(1) والصواب: الحادية والعشرين.
(2) "الرحيق المختوم" (76).
(3) "فتح الباري" 12/ 359 - 360.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 58
* * *
الثانية: أنها مرسلة معضلة ولم تأت من طريق موصولة يحتج بها.
ثم ذكر أنها زيادة منكرة من حيث المعنى، إذ لا يليق بالنبي المعصوم أن يحاول قتل نفسه مهما كان الدافع له على ذلك (1).
عودة الوحي:
ثم حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عودة الْوَحْيِ إليه مرة أخرى فَقَالَ: "فَبَينَما أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجَئِثْتُ (2) مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} إلى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 1 - 5] ثم حمي الوحي وتتابع" (3).
2 - ظل - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًا ثلاث سنوات.
الشرح:
فلما نزلت يا أيها المدثر كان إيذانًا له - صلى الله عليه وسلم - ببدء الدعوة إلى الله، فبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًا حفاظًا منه على الدعوة وعلى من معه من المؤمنين وهم قلة، وحتى لا يعلم المشركون بذلك فيقضون علي الدعوة في مهدها.
وأكد العلماء على أن هذه الفترة كانت ثلاث سنوات، فقد اجتهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفترة في دعوة من يغلب على ظنه أنه سيدخل في هذا الدين، وسوف
(1) انظر: "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (41).
(2) جُئثتُ: ذُعِرتُ وخفت. يقال: جُئث الرجل، وجئف وجُثَّ إذا فَزع.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (4925)، كتاب: التفسير، باب: وثيابك فطهر، ومسلم (161) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 59
* * *

3الأغصان



3
قوله: رأت أمي حين حملت بي كأن نورًا يخرج منها أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام:
هذا لفظ الحاكم، وابن إسحاق، أما لفظ ابن سعد ففيه: رأت أمي كأنه خرج منها نورٌ أضاءت منه قصور الشام. ولذلك اختُلِف في وقت خروج هذا النور، أكان عند الحمل أم عند الولادة؟.
وفسر ابن رجب الحنبلي هذا النور بأنه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 15، 16]. اهـ (1).
وقال ابن كثير:
وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُم ولا من خالفهم حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ" وفي "صحيح البخاري" (وهم بالشام). اهـ (2).
ومما وقع في يوم مولده أيضًا ما رواه ابن إسحاق عن حسان بن ثابت
(1) "لطائف المعارف" (89).
(2) "تفسير القرآن العظيم" 10/ 184.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 26
* * *
قال: والله إني لغلام يفعة (1) ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة (2) يثرب: يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما بك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به (3).
هذا ما صح من الآيات التي حدثت يوم ولادته - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح بعد ذلك شيء.
قال الألباني:
ذكر ارتجاس الإيوان، وسقوط الشرفات، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وغير ذلك من الدلالات ليس فيه شيء (4).
4 - ومرضعته - صلى الله عليه وسلم - هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، ولقد ظهر بوجوده عندها من البركات ما ظهر.
الشرح:
لقد ثبت رضاع النبي - صلى الله عليه وسلم - من حليمة السعدية بأحاديث صحيحة منها:
ما أخرجه الحاكم في "مستدركه" عن عتبة بن عبد السلمي: أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف كان شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانَتْ حاضِنَتِي مِنْ بني سَعْدِ بن
(1) إذا شب ولم يبلغ.
(2) أطمة -بالضم-: البناء المرتفع، وجمعها: آطام.
(3) حسن: أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" 1/ 124، وحسنه الألباني في "صحيح السيرة" (14).
(4) "صحيح السيرة" (14).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 27
* * *
بَكْرٍ ... الحديث" (1) وبنو سعد بن بكر هم قوم حليمة السعدية.
وحديث عبد الله بن جعفر الذي يرويه عن حليمة السعدية والتي تحكي فيه ما ظهر من بركاته - صلى الله عليه وسلم -، حيث قالت: خرجت مع زوجي وابن لي صغير في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء. قال: وذلك في سنة شهبًا (2). لم تُبصر لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء (3) ومعنا شارف (4) لنا، والله ما تبضُّ (5) بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجوا الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمَّت (6) بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجوا المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه وأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي
(1) سيأتي تخريجه.
(2) مجدبة لا خضرة فيها ولا مطر.
(3) بيضاء.
(4) الناقة المسنة.
(5) بضَّ الماء: قطر وسال قليلًا قليلًا.
(6) أبطأت وحبست.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 28
* * *
إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل (1) فحلب منها فشرب وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي (2) علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنًا (3) فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبضُّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا (4).
قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابنك عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا (5).
واخُتلف في صحة هذا الحديث بين المحدثين، فمن مصحح له
ومضعف، كابن عساكر حيث قال: هذا حديث غريب جدًا وفيه ألفاظ ركيكة لا
(1) أي: ممتلئة لبنًا.
(2) أرفقي.
(3) ممتلئة الضرع باللبن.
(4) قويًا شديدًا.
(5) أخرجه أبو يعلى (7158)، وابن هشام (124)، وفي سنده جهم بن أبي جهم مجهول.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 29
* * *
تشبه الصواب، وكذلك أعرض عنه الألباني في "صحيح السيرة" فلم يذكره، أما الذهبي فقال: هذا حديث جيد الإسناد (1).
وقد أرضعته أيضًا - صلى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب وكان ذلك قبل ذهابه إلى السعدية.
روي الإمام البخاريُّ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رضي الله عنها - قالَتْ: يا رَسُولَ الله أَنْكِح أُخْتِي بنتَ أبي سُفْيانَ، فَقالَ: "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ (2) وَأَحَبُّ مَنْ يشارِكُنِي في خَيْرٍ أُخْتِي قالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ ذلك لا يحل لِي"، فَقُلْتُ: فإِنّا نَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بنتَ أبي سَلَمَةَ. قالَ: "بِنْتُ أمِّ سَلَمَةَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَم. فَقالَ: "واللهِ لَوْلا أَنَّها لم تكن رَبِيبَتِي في حَجْرِي ما حَلَّتْ لِي، إِنَّها لابْنَة أَخِي مِنْ الرَّضاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بناتِكُنَّ وَلا أَخَواتِكُنَّ".
قالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لِأبي لَهَبٍ كانَ أبو لَهَب أَعْتَقَها فَأَرْضَعَتْ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمّا ماتَ أبو لَهَب أُرِيَهُ بَعْضُ أَهلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال لَهُ: ماذا لَقِيتَ؟ قالَ أبو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْر أَنِّي سُقِيتُ في هَذِهِ بِعَتاقَتِي ثُوَيْبَةَ (3).
5 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - أربع سنوات أتاه ملكان فشقا صدره وغسلا قلبه ثم أعاداه.
الشرح:
روى الإمام مسلم في "صحيحه": أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَتاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ
(1) "سير أعلام النبلاء" 1/ 42، ط. المكتبة التوفيقية.
(2) أي: لست بمنفردة بك ولا خالية من ضرة، قاله ابن حجر.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (5101)، كتاب: النكاح، باب: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، ومسلم (1449) كتاب: الرضاع باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 30
* * *
عَلَقَةً، فَقالَ: هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطانِ مِنْكَ، ثم غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعادَهُ في مَكانِهِ، قالَ وَجاءَ الْغِلْمانُ يَسْعوْنَ إلى أُمِّهِ -يَعْنِي: ظِئْرَهُ- فَقالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. قالَ أَنَسٌ: وَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ في صَدْرِهِ (1).
قال ابن سعد:
وكان عمره حينها أربع سنوات (2).
وروى الحاكم في "مستدركه": عَنْ عُتْبَةَ بن عبد السُّلَمِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: كَيفَ كانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "كانَتْ حاضِنَتِي مِنْ بني سَعْدِ بن بَكْرٍ، فانْطَلَقْتُ أَنا وابْنٌ لَها في بَهْمٍ لَنا وَلَمْ نَأخُذْ مَعَنا زادًا، فَقُلْتُ: يا أَخِي اذْهَبْ فَأتِنا زادًا مِنْ عِنْدِ أُمِّنا، فانْطَلَقَ أَخِي وكنت عِنْدَ الْبَهْمِ، فأَقْبَلَ طَيْرانِ أَبْيَضانِ كأَنَّهُما نَسْرانِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قالَ: نَعَم، فأَقْبَلا يَبْتَدِرانِي، فأَخَذانِي فَبَطَحانِي للْقَفا فَشَقّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجا قَلْبِي فَشَقّاهُ، فأَخْرَجا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْداوَيْنِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: حِصْهُ -يعني: خطه- واخَتَتمَ عَلَيْهِ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اجْعَلْهُ في كِفَّةٍ واجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ في كِفَّةٍ، فَإذا أَنا أَنْظُرُ إلى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ، فَقالا: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمالَ بِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقا وَتَرَكانِي، وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إلى أُمِّي فأَخْبَرْتُها بِالَّذِي لَقِيتُهُ فأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ التبس بِي، فقالَتْ: أُعِيذُكَ بالله, فَرَحَلَتْ بَعِيرًا لَها فَجَعَلَتْنِي عَلَى الرَّحل وَرَكِبَتْ خَلْفِي حَتَّى بَلَغْنا أُمِّي، فَقالَتْ: أَو أَدَّيْتُ أَمانَتِي وَذِمَّتِي، وَحَدَّثَتْها بِالَّذِي لَقِيتُ، فَلَمْ يَرُعْها ذَلِكَ، فَقالَتْ: إِنِّي
(1) صحيح: أخرجه مسلم (261) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحمد 3/ 88 عن أنس.
(2) "الطبقات" 1/ 112.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 31
* * *
رَأَيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورًا أَضاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشّامِ" (1).
6 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - ست سنوات ماتت أمه بالأبواء بين مكة والمدينة فكفله جده عبد المطلب.
الشرح:
قال ابن إسحاق:
توفيت آمنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ست سنين بالأبواء (2)، بين مكة والمدينة: كانت قد قدمت به على أخواله من بني عديّ بن النجار، تُزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.
قال ابن القيم:
ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء منصرفها من المدينة من زيارة أخواله، ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين (3).
فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له. قال: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأي ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا؛ ثم يجلسه معه
(1) صحيح: أخرجه الحاكم (4230)، كتاب: دلائل النبوة وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وابن هشام في "السيرة" 1/ 127، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1545)، و"صحيح السيرة" 16 - 18، و"فقه السيرة" (64).
(2) الأبواء: قرية من أعمال الضرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا.
(3) "زاد المعاد" 1/ 75.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 32
* * *
على الفراش، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع (1).
7 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - ثماني سنوات توفي جده عبد المطلب. وكفله عمه أبو طالب.
الشرح:
فلما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم، وذلك بعد عام الفيل بثماني سنين (2).
فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب -فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأنّ عبد الله أبا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائز بن عبد بن عمران بن مخزوم (3).
8 - ولما بلغ - صلى الله عليه وسلم - الثانية عشرة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام، فلما بلغوا بصرى رآه بحيراء الراهب، فتحقق فيه صفات النبوة فأمر عمه برده، فرجع به.
الشرح:
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قالَ: خَرَجَ أبو طالِبٍ إلى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - في أَشْياخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَى الرّاهِب، وَكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلا يَلْتَفِتُ. قالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ الرّاهِبُ حَتَّى جاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: هَذا سَيِّدُ الْعالَمِينَ،
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 129 بتصرف يسير.
(2) "سيرة ابن هشام" 1/ 129.
(3) "سيرة ابن هشام" 1/ 137.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 33
* * *
هَذا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، يَبْعَثُهُ الله رَحمَةً لِلْعالَمِينَ، فَقالَ لَهُ أَشْياخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: ما عِلْمُكَ، فَقالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إِلّا خَرَّ ساجِدًا وَلا يَسْجُدانِ إِلّا لِنَبِيٍّ، وإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعامًا، فَلَمّا أَتاهُمْ بِهِ وَكانَ هُوَ في رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنا مِنْ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوة إلى فَيءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مالَ فَيءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقالَ: انْظُرُوا إلى فَيءِ الشَّجَرَةِ مالَ عَلَيْهِ، قالَ: فَبَيْنَما هُوَ قائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُناشِدُهُمْ أَنْ لا يَذْهَبُوا بِهِ إلى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذا رَأَوْه عَرَفوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فالْتَفَتَ فَإِذا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرُّومِ فاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقالَ: ما جاءَ بِكمْ؟ قالُوا: جِئْنا إِنَّ هَذا النَّبِيَّ خارِجٌ في هَذا الشَّهْرِ، لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُناسٍ، وإِنّا قَدْ أُخْبِرْنا خَبَرَهُ بُعِثْنا إلى طَرِيقِكَ هَذا، فَقالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قالُوا: إِنَّما أُخْبِرْنا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذا. قالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرادَ الله أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ رَدَّهُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَبايَعُوهُ وَأَقامُوا مَعَهُ، قالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قالُوا: أبو طالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُناشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أبو طالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أبو بَكْرٍ بِلالًا، وَزَوَّدَهُ الرّاهِبُ مِنْ الْكَعْكِ والزَّيْتِ (1).
قال الذهبي (2):
تفرد به قُراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتج به البخاري،
(1) أخرجه الترمذي (3620) كتاب: المناقب، باب: ما جاء في بدء نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والحاكم في "المستدرك" (4229) وصححه، وقال الحافظ في "الفتح" 8/ 587: إسناده قوي، وقال في "الإصابة": رجاله ثقات وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ. قال الألباني في "ضعيف الترمذي" (745): صحيح، لكن ذكر بلال فيه منكر كما قيل.
(2) "سير أعلام النبلاء" 1/ 48، 49.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 34
* * *
والنسائيُّ، ورواه الناس عن قراد، وحسنه الترمذي، ثم قال: وهو حديث منكر جدًا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد، وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأنّ ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكَّر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توافر همهم ودواعيهم على حكايته مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، وبقي عنده - صلى الله عليه وسلم - حسٌ من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولًا بغار حراء وأتى خديجة خائفًا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه وأيضًا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟
وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية، مع أن ابن عائز قد روى معناه في مغازيه دون قوله. وبعث معه أبو بكر بلالًا ... إلى آخره. فقال حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني أبو داود سليمان بن موسى فذكره بمعناه. اهـ.
وقد أنكر أيضًا ذكر بلال فيها ابن سيّد الناس (1)، وابن القيم (2).
قال الألباني (3):
وإعلال الحديث بأن فيه ذكر أبي بكر وبلال، وكان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشر، إنما هي دعوى مبنية على أن عمره - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ثنتا عشرة سنة، وهذا غير محفوظ، فإنه إنما ذكره مقيدًا بهذا الواقدي كما قال المؤلف
(1) "عيون الأثر" 1/ 43.
(2) "زاد المعاد" 1/ 75.
(3) "صحيح السيرة النبوية" (31).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 35
* * *
والواقدي متروك متهم، فمن الممكن أن تكون القصة وقعت بعد ذلك بسنين، فلا يجوز إعلالها بمثل قول الواقدي المنكر (1).
وذكر ابن عساكر أن بحيري كان يسكن قرية يقال لها (الكَفْر) بينها وبين بصرى ستة أميال، وهي التي يقال لها (دير بحيري) قال: ويقال إنه كان يسكن قرية يقال لها: منفعة بالبلقاء وراء زيرا. والله أعلم (2).
9 - ولمّا بلغ - صلى الله عليه وسلم - الخامسة عشرة كانت حرب الفجار بين قريش وهوازن.
الشرح:
وقعت حرب الفجار بين كنانة ومعهم قريش وبين هوازن.
ولم يأت خبر مسند صحيح باشتراك النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحرب إلا ما ذكره ابن هشام في سيرته بدون إسناد أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "كنت أنبل على أعمامي" وهو خبر لا يصح إذ ليس له إسناد.
واختُلف في عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت نشوب هذه الحرب.
فقال ابن هشام:
كان عمره - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة.
وقال ابن إسحاق:
كان ابن عشرين سنة. وقيل عشر سنين وذلك لما ذُكر بأن بين الفجار وبين بنيان الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة والمبعث خمس عشرة سنة كذلك فيكون عمره - صلى الله عليه وسلم - حينها عشر سنين.
(1) "صحيح السيرة" (31).
(2) "البداية والنهاية" 2/ 254، ط. ابن رجب.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 36
* * *
سبب الحرب:
قال ابن هشام:
وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجار لطيمة (1) للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد منات بن كنانة: أتجيرها على كنانة، قال: نعم، وعلى الخلق كله، فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتَيمَن ذي الطلال (2) بالعالية، غفل عروة، فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار (3).
اشتعال المعركة:
فكان قتل البراض لعروة إيذانًا باشتعال الحرب بين الفريقين. حيث (أتى آت قريشًا فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهم في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أيامًا، والقوم متساندون (4) على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم -وقيل كان قائد قريش وكنانة حرب بن
(1) اللطيمة: الجمال التي تحمل البر والمسك.
(2) تيمن بفتح التاء وسكون الياء وفتح الميم أو كسرها وآخره نون وذو طلال -ككتاب- ماء أو موضع ببلاد بني مرة. وقال أبو ذر في "شرح السيرة": والجيد ذو طلال بالتشديد.
(3) "سيرة ابن هشام" 1/ 140 بتصرف.
(4) أي: ليس لهم أمير واحد يجمعهم.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 37
* * *
أمية بن عبد شمس- وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم.
وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس (1).
الصلح بين الفريقين:
قال السهيلي:
وكان آخر الفجار أن هوازن وكنانة تواعدوا للعام القابل بعكاظ، فجاءوا للوعد وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة، وكان عتبة بن ربيعة يتيمًا في حجره، فضنَّ به حرب، وأشفق من خروجه معه، فخرج عتبة بغير إذنه، فلم يشعروا إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر، علام تتقاتلون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ فقال: الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم ونعفوا عن دمائنا، قالوا: وكيف؟ قال: ندفع إليكم رهنًا منا، قالوا: ومن لنا بهذا؟ قال: أنا، قالوا: ومن أنت؟ قال: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فرضيت كنانة ورضوا، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلًا فيهم حكيم بن حزام، فلما رأت بنو عامر ابن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم، وانقضت حرب الفجار، وكان يقال لم يَسُدْ من قريش مملق (2) إلا عتبة وأبو طالب بن عبد المطلب فإنهما سادا قريشًا مع الفقر .... اهـ (3).
10 - ثم شهد - صلى الله عليه وسلم - حلف الفضول لنصرة المظلوم.
الشرح:
روى الإمام أحمد، عَنْ عبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ: أن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "شَهِدْتُ
(1) "سيرة ابن هشام" 1/ 141 بتصرف.
(2) مملق: أي فقير.
(3) نقلًا عن تعليق الشيخ محمَّد محي الدين عبد الحميد علي "سيرة ابن هشام"، ط. دار الطلائع.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 38
* * *
حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنا غُلامٌ، فَما أُحِبُّ أَن لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ" (1).
وقام بعقد حلف الفضول نفس العشائر التي عقدت حلف المطيبين.
ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ".
ولا يصح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشترك في الحلفين والدليل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صرح في بعض النصوص بأنّه لم يشهد للمشركين سوى حلف واحد وقال: ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين.
قال ابن كثير:
وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يدرك حلف المطيبين، قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار في السقاية والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد الدار وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جَفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها، وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت، فسموا المطيبين، وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف، حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان .... اهـ (2).
ثم أن حلف المطيبين القديم لا يحمل من معاني الانتصار للعدالة مثل
(1) صحيح: أخرجه أحمد (1655)، وأبو يعلى (844)، والبخاري في "الأدب المفرد" (569)، والحاكم 2/ 219 كتاب: التفسير، وقال: هذا حديث حسن الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1900).
(2) "البداية والنهاية" 2/ 321.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 39
* * *
حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -. اهـ (1).
سبب انعقاد حلف الفضول:
قال ابن كثير:
وكان سببه أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف، عبد الدار، ومخزومًا، وجمعًا، وسهمًا، وعديّ بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل، وزبروه -أن انتهروه - فلما رأى الزبيدي الشر، أوفى على أبي قُبيس (2) عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلومٍ بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفرِ
ومحرمٍ أشعثٍ لم يقض عُمْرته ... يا للرجال وبين الحِجْرِ والحَجَرِ
إنَّ الحرام لمن تسَّمت كرامته ... ولا حرامَ لثوب الفاجر الغُدَرِ
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة، في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في ذي القعدة، في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بلَّ بحرٌ صوفةً وما رسا ثَبيْرٌ وحراءُ مكانهما، وعلى التأسي في المعاش، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فردوها إليه.
(1) "السيرة النبوية الصحيحة" 1/ 112.
(2) جبل بمكة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 40
* * *
وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:
حَلَفْتُ لنعقدنْ حلفًا عليهم ... وإن كنا جميعًا أهل دارِ
نسميه الفضولَ إذا عقدنا ... يعز به الغريب لذي الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنَّا ... أُباهُ الضيم نمنع كلَّ عارِ (1)
وقال أيضًا:
إن الفضولَ تعاقدوا وتحالفوا ... ألاَّ يقيم ببطن مكة ظالمُ
أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجارُ والمعترُّ (2) فيهم سالم (3)
سبب تسميته بحلف الفضول:
قال ابن كثير:
فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر .... اهـ (4).
وقيل سمي بذلك لأن الداعي إليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل وهم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث، وقيل هم: الفضيل بن شُراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن قضاعة (5).
(1) أباه الضيم: أي نأبى الظلم، فالضيم الظلم.
(2) المعترُّ: الزائر الضعيف.
(3) "البداية والنهاية" 2/ 322. بتصرف يسير.
(4) "البداية والنهاية" 2/ 322.
(5) درس عظيم نتعلمه ممن عقدوا حلف الفضول، وخلق قويم، فهؤلاء القوم رغم =
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 41

2.الاغصان



النوايا التي ينويها المسلم عند دراسة السيرة
1 - ينوي التقرب إلى الله بدراسة هذا العلم الشرعي.
2 - ينوي معرفة أحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليقتدي به.
3 - ينوي معرفة مواقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليزداد له حبًا.
4 - ينوي معرفة معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليزداد إيمانًا.
5 - ينوي الاطلاع على مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في البلاء ليزداد ثباتًا.
6 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كداعية إلى الله.
7 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملة المسلمين.
8 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كزوج في بيته.
9 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عبادة ربه.
10 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الغنى.
11 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الفقر.
12 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة الصحة.
13 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حالة المرض.
14 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطهارة والصلاة للاقتداء به.
15 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة والعيدين للاقتداء به.
16 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف والاستسقاء للاقتداء به.
17 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنائز والدفن للاقتداء به.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 13
* * *
18 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء وصلاة الخوف للاقتداء به.
19 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيام والزكاة للاقتداء به.
20 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج والعمرة للاقتداء به.
21 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهدايا والأضاحي للاقتداء به.
22 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في النكاح والطلاق للاقتداء به.
23 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام والشراب للاقتداء به.
24 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيع والشراء للاقتداء به.
25 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإجارة والمسابقة للاقتداء به.
26 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في العارية والوديعة للاقتداء به.
27 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في اللقطة والهبة للاقتداء به.
28 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في القصاص والديات للاقتداء به.
29 - ينوي معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأيمان والشهادات للاقتداء به.
30 - ينوي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملة المعاندين والمنافقين.
31 - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في مواقفهم البطولية.
32 - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في سرعة استجابتهم لأوامر الله تعالى.
33 - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في سرعة استجابتهم لأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
34 - ينوي معرفة وقائع السيرة وما فيها من عبر وعظات.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 14
* * *
35 - ينوي معرفة حوادث السيرة وما يستنبط منها من أحكام فقهية.
36 - ينوي معرفة المتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ من الأحكام.
37 - ينوي الاطلاع على مناسبات الآيات التي نزلت في الغزوات ووقائع السيرة الأخرى.
38 - ينوي الاطلاع على أحوال السابقين الأولين في حالة الاستضعاف للاقتداء بهم إذا حدث له ما يشابه ذلك.
39 - ينوي الاطلاع على أحوال المجتمع الإِسلامي الأول من الإخاء والوفاء، والإيثار والتعاون، وصفاء القلوب ... ليقتدي بهم في ذلك.
40 - ينوي الاطلاع على مواقف الصحابة الكرام في الغزوات والسرايا من الصبر والتحمل، والتضحية والفداء لهذا الدين ليقتدي بهم في ذلك.
41 - تنوي أن تزداد بهذا العلم لله خشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
42 - تنوي أن تزداد بهذا العلم عند الله رفعة لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].
43 - تنوي أن تحمل هذا العلم للناس، وتدعوهم للعمل بما فيه، لما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (1).
44 - تنوي أن تتخذ هذا العلم وسيلة لتعليم الناس الخير، فتنال بذلك ثناء الله واستغفار الملائكة، وكذلك استغفار الكائنات، فقد روى الترمذي وحسنه
(1) صحيح: أخرجه مسلم (2674).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 15
* * *
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُم". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (1).
45 - تنوي أن تتخذ السيرة وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون من المفلحين، قَالَ تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} [آل عمران: 104].
46 - تنوي أن تتعاون مع إخوانك المسلمين في نقل السيرة إلى واقع عملي في الحياة.
47 - تنوي أن تزداد حبًا للصحابة فتحشر في زمرتهم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (2).
48 - تنوي أن تتقن السيرة لترد على المشككين في رسالة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -.
49 - تنوي أن تُعلّم السيرة لزوجتك وأولادك، فيزدادون لله قربًا، وبالنبي - صلى الله عليه وسلم - اقتداء، وللصحابة حبًا.
50 - تنوي أن تعيش بروحك ووجدانك مع الرعيل الأول: "فإنهم القوم لايشقى بهم جليسهم" (3).
(1) حسن: أخرجه الترمذي (2685) وقال: حسن غريب صحيح.
(2) صحيح: أخرجه البخاري ومسلم.
(3) حبذا لو تقرأ هذه النوايا قبل أن تبدأ في حفظ كل درس لتجدد النية، وربما يفيض الله عليك بنيات أخرى، فيكثر ثوابُك، ويعظم أجرُك: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 16
* * *
من المولد
إلى البعث
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 17
* * *
من المولد إلى المبعث
1 - نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو ابو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدٍّ بن عدنان.
الشرح:
قوله: أبو القاسم: هذه كنيته - صلى الله عليه وسلم -.
روى الحاكم في "مستدركه" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم" (1).
والقاسم أكبر أبنائه- وقيل غير ذلك-.
قال ابن القيم:
مات طفلا، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة وسار على النجيبة. اهـ (2).
قوله محمد: وهذا اسمه - صلى الله عليه وسلم -.
ومن أسمائه أيضًا أحمد:
قال تعالى حاكيًا عن عيسى بن مريم: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].
(1) صحيح: أخرجه الترمذي (2850)، وأحمد 2/ 433، وابن سعد 1/ 106، وأخرجه الحاكم (4243) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (1447)، "الصحيحة" (1628).
(2) "زاد المعاد" 1/ 100، ط. الرسالة.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 19
* * *
وكذلك من أسمائه:
الماحي، والحاشر، والعاقب.
عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَنَا محَمَّدٌ، وَأنا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عقبى، وَأَنَا الْعَاقِبُ" (1).
ومن أسمائه أيضًا - صلى الله عليه وسلم -:
المقفي (2)، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة.
عَنْ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: "أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ" (3).
ومن أسمائه: المتوكل.
عَنْ عبد الله بن عَمْرِو بن الْعَاصِ - رضي الله عنهما - أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في الْقُرْاَنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)} [الأحزاب: 45]. قَالَ في التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عبدي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (3532) كتاب: المناقب، باب: ما جاء في أسمائه - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم (2354) كتاب: الفضائل، باب: في أسمائه - صلى الله عليه وسلم -.
(2) قال النووي: فقال شمر: هو بمعنى العاقب، وقال ابن الأعرابي: هو المتبع للأنبياء، يقال قفوته أقفوه إذا اتبعته. وقافية كل شيء آخره. اهـ. "شرح مسلم".
(3) صحيح: أخرجه مسلم (2355)، وزاد الطبراني في "الأوسط" (2716)، ونبي الملحمة، وصحح الألباني هذه الزيادة "صححِح الجامع" (1473). ومعنى نبي الملحمة أي: نبي الحرب وسمي بذلك لحرصه على الجهاد.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 20
* * *
غُلْفًا (1).
قال ابن القيم:
وكلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال.
هذا وقد ذُكر للنبي-صلى الله عليه وسلم- أسماء كثيرة حتى أوصلها بعضهم إلى ألف اسم، أعرضنا عنها لضعف أدلتها وعدم ثبوتها.
قوله: ابن عبد الله بن عبد المطلب ... إلخ:
هذا القدر إلى عدنان هو المتفق عليه.
قال ابن القيم بعد ذكر نسبه - صلى الله عليه وسلم - إلى عدنان:
إلى ها هنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف فيه البتة. اهـ (2).
ووقع الخلاف فيما بين عدنان إلى إسماعيل، ثم فيما بين إسماعيل إلى آدم -عليهما السلام.
قال ابن القيم:
وما فوق عدنان مختلف فيه. اهـ (3).
وقال ابن سعد:
الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل. اهـ (4).
(1) صحيح: أخرجه البخاري (4838) كتاب: "التفسير" تفسير سورة الفتح، باب: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وأحمد 2/ 174.
(2) "زاد المعاد" 1/ 70.
(3) "زاد المعاد" 1/ 70.
(4) "الطبقات" 1/ 58.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 21
* * *
وقال البغوي في "شرح السنة":
ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان. اهـ (1).
فالذي عليه أهل التحقيق أن ما فوق عدنان ضعيف لا يثبت، والثابت فقط أنه - صلى الله عليه وسلم - من نسل إسماعيل -عليه السلام- لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله اصطَفَى كِنانةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ، واصطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بني هاشِمٍ، واصطَفانِي مِنْ بني هاشِمٍ" (2).
فضعف ما بين النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى إسماعيل-عليه السلام- لا يعني ضعف نسبه إليه، بل هو صحيح ثابت كما دلّ عليه الحديث.
فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم -:
عن واثلة بن الْأَسْقَعِ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّ الله اصطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ، واصطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بني هاشِمٍ، واصطَفانِي مِنْ بني هاشِمٍ" (3).
وقد أقر أبو سفيان وهو لم يزل على الكفر بفضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سأله هرقل عن نسبه - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو فينا ذو نسب (4).
2 - ولد - صلى الله عليه وسلم - يتيمًا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل.
الشرح:
ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- يتيمًا فقد توفي أبوه وهو حمل - صلى الله عليه وسلم - وهو الراجح.
(1) "شرح السنة " (13/ 193).
(2) صحيح: أخرجه مسلم (2276) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.
(3) السابق.
(4) متفق عليه: أخرجه البخاري (2914) كتاب: الجهاد والسير، باب: دعاء النبي الناس للإسلام، ومسلم (6982).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 22
* * *
قال ابن القيم:
واختُلِف في وفاة أبيه عبد الله، هل توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمل، أو تُوفي بعد ولادته؟ على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَمْلٌ (1).
وقال ابن سعد بعد ما ذكر أقوالًا كثيرة في تاريخ وفاة عبد الله:
والأول أثبت أنه توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمل. اهـ (2).
وقيل توفي عبد الله وهو في الخامسة والعشرين من عمره.
قوله: يوم الاثنين:
روي الإمام مسلم عَنْ أبي قَتادَةَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قالَ: "ذَلكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ" (3).
قوله: لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول:
قال الشيخ الألباني:
وأما تاريخ يوم الولادة، فقد ذُكر فيه وفي شهره أقوال ذكرها ابن كثير في الأصل، وكلها معلقة بدون أسانيد يمكن النظر فيها ووزنها بميزان علم مصطلح الحديث؛ إلا قول من قال: إنه في الثامن من ربيع الأوّل فإنه رواه مالك وغيره بالسند الصحيح عن محمَّد بن جبير بن مطعم، وهو تابعي جليل، ولعله لذلك صحح هذا القول أصحاب التاريخ واعتمدوه، وقطع به الحافظ
(1) "زاد المعاد" 1/ 75.
(2) "الطبقات الكبرى" 1/ 100.
(3) صحيح: أخرجه مسلم (1162) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والاثنين، والخميس.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 23
* * *
الكبير محمَّد ابن موسى الخوارزمي، ورجحه أبو الخطاب ابن دحية والجمهور على أنه في الثاني عشر منه. والله أعلم. اهـ (1).
قوله: من عام الفيل:
روى الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس، - رضي الله عنه - قال: (ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- في عام الفيل) (2).
وسمي بعام الفيل لوقوع حادثة الفيل المشهورة فيه، والتي قاد فيها أبرهة الأشرم ابن الصباح الحبشي، نائب النجاشي على اليمن، بفيله العظيم جيشه العرمرم لهدم الكعبة المشرفة بيت الله الحرام. ولكن هيهات هيهات، فما قوة أبرهة بفيله العظيم وجيشه العرمرم الكبير بجوار قوة العلي القدير، إلا كقشة ضعيفة تتقاذفها أمواج عظيمة، بل هي أضعف.
فالله تعالى هو الذي خلقهم وهو الذي أعطاهم هذه القوة فهم لا يعجزونه. فما أن وصل أبرهة إلى وادي محسِّر بين مزدلفة ومني حتى برك الفيل وعجز عن الحركة إلا لوجهة أخرى غير وجهة الكعبة، وهنالك أرسل عليهم رب البيت طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول.
وحكى الله تعالى ما نزل بهم من عذاب في كتابه العزيز فقال: {أَلَمْ تَرَ
(1) "صحيح السيرة النبوية" (13).
(2) صحيح: أخرجه الترمذي (3619) كتاب: المناقب، باب: ما جاء في ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قيس بن مخرمة والحاكم فيى "المستدرك" (4180) كتاب: تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن سعد في "الطبقات" 1/ 101 وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (3152).
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 24
* * *
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)} [الفيل: 1 - 5].
وقال نُفيل بن حبيب حين نزل بهم العذاب:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب
وقد ذكر القصة كاملة الإمام الطبري في تفسير سورة الفيل.
3 - يقول - صلى الله عليه وسلم - "أنا دَعوةُ إبراهيمَ، وبشرىَ عيسَى، رأت أمِّي حين حملت بي كأن نورًا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام" (1).
الشرح:
قوله: أنا دعوة إبراهيم:
حيث دعا إبراهيم -عليه السلام- ربه بأن يبعث في العرب رسولًا منهم فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} [البقرة: 129].
قوله: وبشرى عيسى:
وبشر به عيسى بن مريم -عليه السلام- فقال: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي} [الصف: 6].
(1) صحيح: أخرجه أحمد 5/ 262، والحاكم (4230)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" 1463 - 3451.
* * *
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 25